ابن قيم الجوزية

153

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

تعالى : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * قال أبو عبيدة لم يمسهن يقال ما طمث هذا البعير حبل قط أي ما مسه وقال يونس تقول العرب هذا جمل ما طمثه حبل قط أي ما مسه وقال الفراء الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية ، والطمث هو الدم وفيه لغتان طمث يطمث ويطمث قال الليث طمثت الجارية إذا افترعتها والطامث في لغتهم هي الحائض قال أبو الهيثم يقال للمرأة طمثت تطمث إذا أدميت بالافتضاض وطمثت على فعلت تطمث إذا حاضت أول ما تحيض فهي طامت ، وقال في قول الفرزدق : خرجن إلي لم يطمثن قبلي * وهن أصح من بيض النعام أي لم يمسسن قال المفسرون لم يطأهن ولم يغشهن ولم يغشهن ولم يجامعهن هذه ألفاظهم وهم مختلفون في هؤلاء فبعضهم يقول هن اللواتي أنشئن في الجنة من حورها وبعضهم يقول يعني نساء الدنيا أنشئن خلقا آخر أبكارا كما وصفن قال الشعبي نساء من نساء الدنيا لم يمسسن منذ أنشئن خلقا وقال مقاتل لأنهن خلقن في الجنة ، وقال عطاء عن ابن عباس هن الآدميات اللاتي متن أبكارا وقال الكلبي لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه أنس ولا جان قلت ظاهر القرآن أن هؤلاء النسوة لسن من نساء الدنيا وإنما هن من الحور العين ، وأما نساء الدنيا فقد طمثهن الأنس ونساء الجن قد طمثهن الجن والآية تدل على ذلك قال أبو إسحاق وفي هذه الآية دليل على أن الجن يغشى كما أن الأنس يغشى ويدل على أنهن الحور اللاتي خلقن في الجنة أنه سبحانه جعلهن مما أعده اللّه في الجنة لأهلها من الفواكه والثمار والأنهار والملابس وغيرها ويدل عليه أيضا الآية التي بعدها وهي قوله تعالى حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ ثم قال لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * قال الإمام أحمد والحور العين لا يمتن عند النفخة للصور لأنهن خلقن للبقاء وفي الآية دليل لما ذهب إليه الجمهور أن مؤمن الجن في الجنة كما أن كافرهم في النار وبوب عليه البخاري في صحيحه فقال باب ثواب الجن وعقابهم ، ونص عليه غير واحد من السلف قال ضمرة بن حبيب وقد سئل هل للجن ثواب فقال نعم وقرأ هذه الآية ثم قال الإنسيات للأنس والجنيات للجن ، وقال نجاهد في هذه الآية إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه والضمير في قوله ( قبلهم ) للمعنيين بقوله متكئين وهم أزواج هؤلاء النسوة وقوله كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ قال الحسن وعامة المفسرين