ابن قيم الجوزية
136
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ، وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ قال جماعة من المفسرين السندس مارق من الديباج والإستبرق ما غلظ منه وقالت طائفة ليس المراد به الغليظ ولكن المراد به الصفيق وقال الزجاج هما نوعان من الحرير وأحسن الألوان الأخضر وألين اللباس الحرير فجمع لهم بين حسن منظر اللباس والتذاذ العين به وبين نعومته والتذاذ الجسم به وقال تعالى : وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ * وهاهنا مسألة وهذا موضع ذكرها وهي أن اللّه سبحانه وتعالى أخبر أن لباس أهل الجنة حرير وصح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة » متفق على صحته من حديث عمر بن الخطاب وأنس بن مالك وقد اختلف في المراد بهذا الحديث فقالت طائفة من السلف والخلف أنه لا يلبس الحرير في الجنة ويلبس غيره من الملابس قالوا وما قوله تعالى : وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ * فمن العام المخصوص وقال الجمهور وهذا من الوعيد الذي له حكم أمثاله من نصوص الوعيد التي تدل على أن الفعل مقتض لهذا الحكم وقد يتخلف عنه لمانع وقد دل النص والإجماع على أن التوبة مانعة من لحوق الوعيد ويمنع من لحوقه أيضا الحسنات الماحية والمصائب المكفرة ودعاء المسلمين وشفاعة من يأذن اللّه له في الشفاعة وشفاعة أرحم الراحمين إلى نفسه ، فهذا الحديث نظير الحديث الآخر من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة . وقال تعالى : وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً وقال : عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وتأمل ما دلت عليه لفظة « عاليهم » من كون ذلك اللباس ظاهرا بارزا يجمل ظواهرهم ليس بمنزلة الشعار الباطن بل الذي يلبس فوق الثياب للزينة والجمال . وقد اختلف القراء السبعة في نصب « عاليهم » ورفعه على قراءتين واختلف النحاة في وجه نصبه هل هو على الظرف أو على الحال على قولين واختلف المفسرون هل ذلك للولدان الذين يطوفون عليهم فيطوفون وعليهم ثياب السندس والإستبرق أو للسادات الذين يطوفون عليهم الولدان فيطوفون على ساداتهم وعلى السادات هذه الثياب وليس الحال هاهنا بالبين ولا تحته ذلك المعنى البديع الرائع فالصواب أنه منصوب على الظرف فإن عاليا لما كان بمعنى فوق أجري مجراه . قال أبو علي وهذا الوجه أبين وهو أن عاليا صفة فجعل ظرفا كما كان قوله وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ كذلك وكما قالوا هو ناحية من الدار ، وأما من رفع عاليهم فعلى الابتداء وثياب سندس خبره ولا يمنع من هذا أفراد عال وجمع الثياب