ابن قيم الجوزية

131

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

رجلا من أهل الدنيا أدخل يده فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها . قال آدم وحدثنا أبو شيبة عن عطاء قال « التسنيم » اسم العين التي يمزج بها الخمر . وقال الإمام أحمد حدثنا هشيم أنبأنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس في قوله ( وكأسا دهاقا ) قال هي المتتابعة الممتلئة قال وربما سمعت العباس يقول أسقنا وأدهق لنا وقد تقدم الكلام على قوله تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً وعلى قوله وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا فقالت فرقة سلسبيلا جملة مركبة من فعل وفاعل وسبيلا منصوب على المفعول أي سل سبيلا إليها وليس هذا بشيء وإنما السلسبيل كلمة مفردة وهي اسم قتادة سلسة فهم يصرفونها حيث شاءوا وهذا من الاشتقاق الأكبر ، وقال مجاهد سلسلة السيل حديدة الجرية ، وقال أبو العالية والمقابلان تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم وهذا من سلاستها وحدة جريتها ، وقال آخرون معناها طيبة الطعم والمذاق وقال أبو إسحاق سلسبيل صفة لما كان في غاية السلاسة فسميت العين بذلك وقال ابن الأنباري الصواب في سلسبيل أنه صفة للماء وليس باسم للعين واحتج على ذلك بحجتين ( إحداهما ) أن سلسبيلا مصروف ولو كان اسما للعين لم يصرف للتأنيث والعلمية ( الثانية ) أن ابن عباس قال معناه أنها تنسل في حلوقهم انسلالا ، « قلت » ولا حجة له في واحدة منهما ، أما الصرف فلاقتضاء رؤوس الآي له كنظائره ، وأما قول ابن عباس فإنما يدل على أن العين سميت بذلك باعتبار صفة السلالة والسهولة . فقد تضمنت هذه النصوص أن لهم فيها الخبز واللحم والفاكهة والحلوى وأنواع الأشربة من الماء واللبن والخمر وليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء ، وأما المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر ، فإن قيل فأين يشوى اللحم وليس في الجنة نار ؟ فقد أجاب عن هذا بعضهم بأنه يشوى ب « كن » وأجاب آخرون بأنه يشوى خارج الجنة ثم يؤتى به إليهم والصواب أنه يشوى في الجنة بأسباب قدرها العزيز الحكيم لإنضاجه وإصلاحه كما قدر هناك أسبابا لإنضاج الثمر والطعام على أنه لا يمتنع أن يكون فيها نار تصلح لا تفسد شيئا وقد صح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « مجامرهم الألوة » و ( المجامر ) جمع مجمر وهو البخور الذي يتبخر بإحراقه و ( الألوة ) العود المطري فأخبر أنهم يتجمرون به أي يتبخرون بإحراقه لتسطع لهم رائحته وقد أخبر سبحانه أن في الجنة ظلالا والظلال لا بد أن تفيء مما يقابلها فقال : هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى