ابن قيم الجوزية
132
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ وقال : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ وقال : وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا فالأطعمة والحلوى والتجمر تستدعي أسبابا تتم بها واللّه سبحانه خالق السبب والمسبب وهو رب كل شيء ومليكه لا إله إلا هو ، وكذلك جعل لهم سبحانه أسبابا تصرف الطعام من الجشاء والعرق الذي يفيض من جلودهم ، فهذا سبب إخراجه وذاك سبب إنضاجه ، وكذلك جعل في أجوافهم من الحرارة ما يطبخ ذلك الطعام ويلطفه ويهيئه لخروجه رشحا وجشاء ، وكذلك ما هناك من الفواكه والثمار يخلق لها من الحرارة ما ينضجها ويجعل سبحانه أوراق الشجر ظلالها فرب الدنيا والآخرة واحد ، وهو الخالق للأسباب والحكم ما يخلقه في الدنيا والآخرة ، والأسباب مظهر أفعاله وحكمته ولكنها تختلف ولهذا يقع التعجب من العبد لورود أفعاله سبحانه على أسباب غير الأسباب المعهودة المألوفة وربما حمله ذلك على الإنكار والكفر وذلك محض الجهل والظلم وإلا فليست قدرته سبحانه وتعالى مقصرة عن أسباب أخر ومسببات ينشئها منها كما لا تقتصر قدرته في هذا العالم المشهود عن أسبابه ومسبباته وليس هذا بأهون عليه من ذلك ولعل النشأة الأولى التي أنشأها الرب سبحانه وتعالى فيها بالعيان والمشاهدة أعجب من النشأة الثانية التي وعدنا بها إذا تأملها اللبيب ولعل إخراج هذه الفواكه والثمار من بين هذه التربة الغليظة والماء والخشب والهواء المناسب لها أعجب عند العقل من إخراجها من بين تربة الجنة ومائها وهوائها ، ولعل إخراج هذه الأشربة التي هي غذاء ودواء وشراب ولذة من بين فرث ودم ومن قيء ذباب أعجب من إجرائها أنهارا في الجنة بأسباب أخر ، ولعل إخراج جوهري الذهب والفضة من عروق الحجارة من الجبال وغيرها أعجب من إنشائها هناك من أسباب أخر ، ولعل إخراج الحرير من لعاب دود القز وبنائها على أنفسها القباب البيض والحمر والصفر أحكم بناء أعجب من إخراجه من أكمام تنشق عنه شجر هناك قد أودع فيها وأنشئ منها ، ولعل جريان بحار الماء بين السماء والأرض على ظهور السحاب أعجب من جريانها في الجنة في غير أخدود ، وبالجملة فتأمل آيات اللّه التي دعا عباده إلى التفكر فيها وجعلها آيات دالة على كمال قدرته وعلمه ومشيئته وحكمته وملكه وعلى توحده بالربوبية . والإلهية ، ثم وازن بينها وبين ما أخبر به من أمر الآخرة والجنة والنار تجد هذه أدل شيء على تلك ، شاهدة لها وتجدهما من مشكاة واحدة ورب واحد وخالق واحد ومالك واحد فبعدا لقوم لا يؤمنون .