ابن قيم الجوزية
122
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
اللّه لا نجد هذا إلا قرشيا أو أنصاريا فإنهم أصحاب زرع فاما نحن فلسنا بأصحاب زرع فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » رواه البخاري في كتاب التوحيد في باب كلام الرب تعالى مع أهل الجنة وخرجه في غيره أيضا وهذا يدل على أن في الجنة زرعا وذلك البذر منه وهذا أحسن أن تكون الأرض معمورة بالشجر والزرع فإن قيل فكيف استأذن هذا الرجل ربه في الزرع فأخبره أنه في غنية عنه قيل لعله استأذنه في زرع يباشره ويزرعه بيده وقد كان في غنية عنه وقد كفى مئونته ولا أعلم ذكر الزرع في الجنة إلا في هذا الحديث واللّه أعلم . وروى إبراهيم بن الحكم عن أخيه عن عكرمة قال « بينما رجل في الجنة فقال في نفسه لو أن اللّه يأذن لي لزرعت . فلا يعلم إلا والملائكة على أبوابه فيقولون سلام عليكم يقول لك ربك تمنيت في نفسك شيئا فقد علمته ، وقد بعث اللّه معنا البذر فيقول أبذروا فيخرج أمثال الجبال فيقول له الرب من فوق عرشه كل يا ابن آدم فإن ابن آدم لا يشبع » واللّه أعلم . الباب السابع والأربعون في ذكر أنهار الجنة وعيونها وأصنافها ومجراها الذي تجري عليه وقد تكرر في القرآن في عدة مواضع قوله تعالى جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ * وفي موضع تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ وفي موضع تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ * وهذا يدل على أمور ( أحدها ) وجود الأنهار فيها حقيقة ( الثاني ) أنها جارية لا واقفة ( الثالث ) أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا وقد ظن بعض المفسرين أن معنى ذلك جريانها بأمرهم وتصريفهم لها كيف شاءوا وكأن الذي حملهم على ذلك أنه لما سمعوا أن أنهارها تجري في غير أخدود فهي جارية على وجه الأرض حملوا قوله تجري من تحتها الأنهار على أنها تجري بأمرهم إذ لا يكون فوق المكان تحته وهؤلاء أوتوا من ضعف الفهم فإن أنهار الجنة وإن جرت في غير أخدود فهي تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار وهو سبحانه لم يقل من تحت أرضها وقد أخبر سبحانه عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا فقال أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فهذا على ما هو