ابن قيم الجوزية

123

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

المعهود المتعارف وكذلك ما حكاه من قول فرعون « وهذه الأنهار تجري من تحتي » وقال تعالى فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ قال ابن أبي شيبة حدثنا يحيى بن يمان عن أشعب عن جعفر عن سعيد قال « نضاختان بالماء والفواكه » وحدثنا ابن يمان عن أبي إسحاق عن أبان عن أنس قال : نضاختان بالمسك والعنبر ينضخان على دور أهل الجنة كما ينضخ المطر على دور أهل الدنيا ، وحدثنا عبد اللّه بن إدريس عن أبيه عن أبي إسحاق عن البراء قال اللتان تجريان أفضل من النضاختين وقال تعالى : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ، وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ، وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ فذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا فآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه ، وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة وأن يصبر قارصا ، وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي للذة شربها ، وآفة العسل عدم تصفيته ، وهذا من آيات الرب تعالى أن تجري أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها ويجريها في غير أخدود وينفي عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها كما ينفي عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو والانزاف وعدم اللذة فهذه خمس آفات من آفات خمر الدنيا تغتال العقل ويكثر اللغو على شربها بل لا يطيب لشرابها ذلك إلا باللغو وتنزف في نفسها وتنزف المال وتصدع الرأس وهي كريهة المذاق وهي رجس من عمل الشيطان توقع العداوة والبغضاء بين الناس وتصد عن ذكر اللّه وعن الصلاة وتدعو إلى الزنا وربما دعت إلى الوقوع على البنت والأخت وذوات المحارم وتذهب الغيرة وتورث الخزي والندامة والفضيحة وتلحق شاربها بأنقص نوع الإنسان وهم المجانين وتسلبه أحسن الأسماء والسمات وتكسوه أقبح الأسماء والصفات وتسهل قتل النفس وإفشاء السر الذي في إفشائه مضرته أو هلاكه ومؤاخاة الشياطين في تبذير المال الذي جعله اللّه قياما له ولم يلزمه مئونته وتهتك الأستار وتظهر الأسرار وتدل على العورات وتهون ارتكاب القبائح والمآثم وتخرج من القلب تعظيم المحارم ومدمنها كعابد وثن ، وكم أهاجت من حرب وافقرت من غنى ، وأذلت من عزيز ، ووضعت من شريف ، وسلبت من نعمة وجلبت من نقمة ، وفسخت مودة ، ونسجت عداوة ، وكم فرقت بين رجل وزوجته فذهبت بقلبه وراحت بلبه ، وكم أورثت من حسرة وأجرت من عبرة وكم أغلقت في وجه شاربها بابا