محمد جواد مغنيه
215
الجوامع والفوارق بين السنة والشيعة
الاستشهاد بالشيطان ! . . وكان الأولى أن ينزه عنه مقام العصمة والإمامة ؟ . والحق أن الجواب عن هذا السؤال لا نجده عند العقل من حيث الوقوع الذي أراده السائل ، وأن حكم العقل بالإمكان ، ولكنه غير مراد للسائل . . . ونجد الجواب جليا واضحا عند الدين ، ويستسيغه ويؤمن به كل من آمن باللّه وكتابه وسنة نبيه ، على شريطة أن يثبت عنده النص الصحيح الصريح على ذلك ، وقد ثبت هذا النص عند الشيعة دون السنة أو أكثرهم ، فآمن به أولئك ، وأنكره هؤلاء وما أكثر ما حدث ذلك . . . ولكل رأيه وعذره ، وما لأحد منهما أن يعترض على الآخر ، لأن الشرط الأساسي للعمل بالنص هو أن يثبت عند من يطلع عليه ، لا عند غيره ، كما أسلفنا في جواب من قال : أية جدوى من الإيمان بإمام غائب ، لا أثر له ولا خبر . ومما قلناه في كتاب المهدي المنتظر والعقل : إن كثيرا من الناس يخلطون بين الممتنع عادة ، والممتنع عقلا ، ويتعذر عليهم التمييز بينهما ، فيظنون أن كل ما هو ممتنع عادة فهو ممتنع عقلا . . . فلقد أخبر القرآن بصراحة لا تقبل التأويل أن السيد المسيح كلم الناس ، وهو في المهد ، وأبرأ الأكمه والأبرص من غير علاج ، وأنزل مائدة من السماء بمجرد الدعاء ، وأنه ما زال حيا ، وسيبقى حيا إلى ألوف السنين أو ألوف الألوف . وإن النار كانت بردا وسلاما على إبراهيم ، وإن عصا موسى صارت ثعبانا ، وإن الحديد لان لداود ، وسبح معه الطير والجبال ، وإن سليمان استخدم الجان ، وعرف لغة النمل والطيور . وهذه الخوارق ممتنعة عادة ، جائزة عقلا ، ولو كانت ممتنعة في نفسها لامتنع وقوعها على يد الأنبياء وغيرهم . ولأنها جائزة في العقل ، وأخبر عنها الشرع وجب التصديق ، فكذلك بقاء المهدي جائز عقلا واقع دينا بشهادة الأحاديث الثابتة عن رسول اللّه وأهل بيته المعصومين ، والإيمان بوجوده حيا ليس بأعظم من الإيمان بتلك الخوارق ، بل الجميع من باب واحد .