محمد جواد مغنيه

193

الجوامع والفوارق بين السنة والشيعة

إلا مع القدرة والإرادة ، ولكن ليس معنى هذا أنه لا وسيلة عند اللّه سبحانه إلى العصمة في الامتثال إلا الجبر والإكراه . . . كلا هناك طريق آخر إليها عنده تعالى ، وقد أشار إليه بقوله : وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [ الحديد - 29 ] . وإليك البيان : وبقصد التوضيح نمهد بهذا المثال : لك صديق وحبيب تحرص كثيرا على مصلحته حتى كأن شيئا لو أصابه قد أصابك بالذات . . . ورأيته يهم بأمر ظنه خيرا له وصلاحا ، وأنت تعلم علم اليقين أنه شر وفساد ، وهو يثق بعلمك ونصحك ، فتطلعه على الحقيقة ، وهو بدوره يحجم ويمتنع بإرادته واختياره بمجرد الإشارة منك ، فيكون لك ، وهذه هي الحال ، فضيلة الإخلاص والنصيحة وله أيضا فضيلة الاستماع إليها ، والعمل بها . واللّه سبحانه أمر عباده ونهاهم ، ووعد الطائع منهم بالثواب ، وتوعد العاصي بالعقاب ، ثم ترك كل امرئ وما يختاره لنفسه ، ولا يتدخل في شؤونه عند الطاعة أو المعصية ، ولكنه يعذر المخطئ إذا هو احتاط ولم يقصر . . . هذا شأنه ، جلت حكمته ، مع جميع عباده إلا مع المعصوم فإنه يشمله بعنايته ويمده بإرادة التسديد لا التكوين ، فإذا أوشك أن ينسى أو ينخدع نبهه سبحانه بطريق أو بآخر ، وكشف له عن الواقع ، فينتبه المعصوم ويمتنع مختارا لا ملجأ . وقد حدث هذا مع الأنبياء أكثر من مرة ، ومن ذلك ما جاء في السبب الموجب لنزول هذه الآية : وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [ النساء - 112 ] . قال المفسرون : إن رجلا من المسلمين سرق متاعا ، ورمى به بريئا ، فناصرت السارق طائفة من الصحابة ، وحاولوا جاهدين أن يخدعوا رسول اللّه ( ص ) في براءة السارق ، وكاد الرسول أن ينخدع ويثق بما أظهروه من الصلاح ، وبما أقسموا من الإيمان فاطلعه اللّه على كذبهم ومكرهم ، فعامل الرسول الأعظم ( ص ) كلّا بما يستحق . وهكذا سبحانه يسدد المعصوم ، ويمده بإرادة لا هي بالتكوين فينتفي