ملا محمد مهدي النراقي
43
جامع الأفكار وناقد الأنظار
المجرّد عاقلا لذاته وعدم كون المادّي عاقلا لذاته ؛ وإن أراد انّ معقولية تلك الصور نفس وجودها من حيث أنّها موجودة في الخارج فهو ممنوع - كما تقدّم في كلام بهمنيار - . ثمّ لمّا كان كلام هذا المعلّم في الصورة المعقولة للواجب - تعالى - وصرح بأنّ تعقّل الواجب لتلك الصور نفس وجودها الحاصل عنه - تعالى - أو الوجود الحاصل عنه - تعالى - هو الوجود الخارجي يكون ظاهرا في الاحتمال الثاني ، ولا يمكن أن يحمل كلامه على انّ معقوليتها سبب لوجودها عنه - تعالى - ، لانّه صرّح بعدم ترتب أحدهما على الآخر . وقد صرّح هذا المعلّم في موضع آخر بهذا الاحتمال حيث قال : « اخراج الأيس من الليس ليس إلّا العلم الفعلي والتعقّل بالذات » « 1 » . وقوله : « وجود الباري ليس الّا معقوليته لذاته » تصريح بالأمر الثاني - أعني : كون وجود المدرك لذاته - . نفس ادراكه لذاته وقال أيضا في تعليقاته : « المعقول من الشيء هو وجود مجرّد من ذلك الشيء ، فإن كان وجود ذلك الشيء لك وذلك إذا كان مادّيا كان معقولا لك ، وان كان وجوده لذاته كان معقولا لذاته وذلك إذا كان مجرّدا ، فإن كان وجوده في الأعيان بهذه الصفة - أي : مجرّدا - فهو معقول لذاته ، فمعقولية الشيء هي بعينها وجوده المجرّد عن المادّة وعلائقها ، فإذا وجد الشيء بهذا النحو من الوجود في الأعيان كان معقولا لذاته ، وان كان في الذهن ولم يكن مجرّدا في الأعيان كان معقولا لا لذاته » ؛ انتهى . وفي هذا الكلام أيضا تصريح بانّ وجود المجرّد عين معقوليته لذاته . وبالجملة هذان الأمران - أي : كون وجود المعقول في نفسه عين وجوده لمدركه ، وكون وجود المدرك لذاته - عين ادراكه لذاته مصرّح بهما في كلام أساطين الحكمة ، ولكن ليس وجهه ظاهرا لنا وليس لنا حيلة إلى تعقّله ؛ ولعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمرا ! . على أنّك قد عرفت انّه لو ثبت هذان الأمران أيضا لا يثبت بهما المطلوب - أي : كون كلّ مجرّد عاقلا لذاته وعدم كون مادّي عالما بنفسه - ، فالنافع في المقام بيان انّ التجرّد علّة للتعقّل والمادّية مانعة عنها ، وغاية ما ذكروه - كما علمت - : انّ التعقّل عبارة عن
--> ( 1 ) ما وجدت العبارة في التعليقات ولا في فصوص الحكم أيضا .