ملا محمد مهدي النراقي
44
جامع الأفكار وناقد الأنظار
حضور شيء ووجوده لموجود مجرّد / 115 DA / قائم بذاته ، وكلّ مجرّد قائم بذاته يصدق انّ ذاته حاضرة عند ذاته موجودة لذاته ، فيكون ذاته عاقلة لذاته وكلّ مادّي موجود لغيره ، فلا يكون موجودا لذاته حاضرا عند ذاته . / 120 MA / وقد علمت انّ كون التعقّل عبارة عن الحضور بمعنى عدم الغيبة لا يفيد ، وبمعنى الانكشاف غير مسلّم ، ووجود المادّي لغيره بمعنى عدم الغيبة عن هذا الغير لا يمنع من انكشاف ذاته لذاته . فالحقّ في اثبات المطلوب حينئذ - أي : كون كلّ مجرّد عاقلا لذاته وعدم كون مادّي عاقلا لذاته - بحيث يندفع الشكوك والشبهات أن يقال : لا ريب في أنّ كلّ عاقل مجرّد ، فانّ المدرك للصور العقلية المجرّدة لا يمكن أن يكون مادّيا - لما بيناه سابقا من انّه لو كان المحلّ مادّيا لكان الحالّ أيضا مادّيا - ، وبذلك يثبت أنّ المادّية مانعة من ادراك المجرّد . وما يصحّ أن يدرك المجرّد ومن شأنه ذلك انّما هو المجرّد القائم بذاته ، لانّ المجرّد القائم بغيره - أعني : الصورة العقلية المجرّدة الكلّية - لا يمكن أن يدرك شيئا بالضرورة والاتفاق ، فمنشأ صحّة التعقّل - أي : ادراك المجرّد - سواء كان مجرّدا قائما بذاته أو صورة عقلية مجرّدة إنّما هو التجرّد . ثمّ نقول : التجرّد كما هو منشأ لصحّة التعقّل وامكانه إن كان منشأ لحصوله بالفعل أيضا يثبت المطلوب - أعني : كون كلّ مجرّد عاقلا لذاته ، بل لكلّ شيء - . وإن توقّف التعقّل بالفعل على شيء آخر نقول : هذا الشيء الآخر لا يخلو : إمّا أن يكون قوّة وخاصّة متحقّقة في ذات المجرّد العاقل أو علاقة ورابطة بينه وبين المجرّد المعقول . وعلى الأوّل إن كان تلك القوّة متحقّقة في كلّ مجرّد ثبت المطلوب - لانّ كلّ مجرّد حينئذ مشتمل على تلك القوّة الّتي هي شرط حصول التعقل بالفعل - فيكون عاقلا بالفعل لذاته ولما عداه . وإن كانت متحقّقة في بعض المجرّدات دون بعض آخر نقول : لا ريب في انّ تلك القوّة لا يخلو إمّا أن تكون منشأ لزيادة التجرّد واشدّيته ونقصانه وضعفه أو لا تتفاوت بها التجرّد زيادة ونقصانا ، والأوّل غير ممكن - لما يأتي من أنّ انضمام أمر إلى المجرّد بأيّ طريق كان يوجب نقصان تجرّده بالنسبة إلى مجرّد هو عري عن هذا الأمر - . على أنّا نقول : بناء على هذا الشقّ يكون ما هو أشدّ تجرّدا مشتملا على تلك القوّة البتّة ، لانّ المفروض منشئيّة هذه القوّة لزيادة التجرّد وشدّته ولا ريب في أنّ الواجب في أعلى مراتب التجرّد وتجرّده