ملا محمد مهدي النراقي

40

جامع الأفكار وناقد الأنظار

الصغرى بديهية والكبرى هو الأصل الّذي اثبته الحكماء ، والنتيجة تحصل بملاحظة صحّة العكس ، مع انّ المنطقيين مصرّحون بأنّ الموجبتين في الشكل لا ينتجان . وبالجملة لا يحكم بأنّ كلّ مجرّد عن المادّة فهو معقول لأجل انعكاس الموجبة الكلّية موجبة كلّية ، لعدم تحقّقه . والحكماء أيضا لم يحكموا بانّ كلّ مجرّد معقول بالفعل في بادي النظر من دون دليل خارجي ليلزم عليهم الاشكالان ، بل قالوا : لأنّ ما هو مجرّد عن الموادّ إمّا أن يصحّ أن يعقل أولا يصحّ أن يعقل ، ومحال أن لا يصحّ أن يعقل - إذ كلّ موجود يصحّ أن يعقل - ، فاذن صحّة معقوليته إمّا بأن لا يتغير فيه شيء حتّى يصير معقولا بالفعل - بمعنى انّه مع فرض عدم تغير ما فيه من المعقولية بحيث لو كان هناك عاقل لعقله بدون حاجة إلى تجريده وإن كان معقوليته بالفعل موقوفا على تحقّق عاقل - أو بان يتغير فيه شيء حتى يصير معقولا - كالحال في المعقولات بالقوّة الّتي تحتاج إلى مجرّد يجرّدها عن المادّة حتّى تصير معقولة - . لكن هذا الحكم - أي : التغير بالتجريد - لا يصحّ في المجرّد بالفعل ، لانّ المجرّد بالفعل حيث غشيته العوارض المادّية لا تحتاج إلى أن تغير فيه شيء حتّى تصير معقولا بالفعل ، ولا يحتاج العاقل له إلى تقشيره عنها حتّى يصيّره معقولا ويخلّص إلى حاقّ كنهه ، فهو اذن معقول بالفعل ، وإذا كان معقولا بالفعل فيكون عاقلا لذاته بالفعل ، إذ لو لم يكن عاقلا لذاته بالفعل لكان معقولا بالقوّة ، وقد فرضناه معقولا بالفعل ؛ هذا خلف ! . هذا هو توضيح ما ذكره بقوله : « ثمّ ليس ينعكس الموجبة الكلّية - . . . إلى آخره - » . ويرد عليه : أمّا أوّلا : انّا لا نسلّم انّ مجرّد التجرّد وعدم العوارض المادّية كاف للمعقولية والعاقلية حتّى لا يحتاج المجرّد بالفعل إلى تغير حتّى يصير معقولا . بل لعلّهما يشترطان بشيء آخر أو يكون معنى آخر سوى المادّية مانعا عنهما ؛ وأمّا ثانيا : انّه لم يظهر ممّا ذكره هنا الّا انّ المجرّد بالفعل مع عدم تغيره معقول ، بمعنى انّه لا مانع من معقوليته حتّى انّه لو فرض عاقل يعقله بلا حاجة إلى أن يتغيّر فيه شيء ، لانّه معقول بالفعل بمعنى انّه تحقّق أيضا عاقل بعقله ؛ وحينئذ فقوله : « فهو اذن معقول بالفعل » إن أراد به انّه معقول بالفعل لعاقل آخر غير ذاته فهو يتوقّف على فرض عاقل آخر هناك ليصير معقولا بالفعل ، مع انّه لا يتمّ التقريب حينئذ ؛