ملا محمد مهدي النراقي
16
جامع الأفكار وناقد الأنظار
بل يكون إمّا مجرّد انكشاف من غير أن يرتسم صورة شيء في شيء أصلا ، أو يرتسم صورة المدرك في مجرّد أو غير مجرّد ، فيلاحظها تلك القوّة من هناك كما يدرك النفس ما ينتقش من الجزئيات في آلاتها . وإذا كانت تلك القوّة الجسمانية للصورة العقلية على سبيل الحضور والملاحظة دون الارتسام ، فلا يلزم من كون تلك القوّة مادّية ومنقسمة كون تلك الصورة كذلك ؛ لانّ مشاهدة المادّي لغيره لا يوجب كون ذلك الغير مثله ، بل انّما ذلك في الارتسام . والجواب : انّ انكشاف المجرّد لمادّي من دون ارتسام فيه أمر بديهي البطلان بيّن الفساد ، لانّ الادراك فرع المناسبة والربط بين المدرك والمدرك ، والربط إمّا بالارتسام أو بالحضور ، والارتسام مفقود بالفرض . وحضور المجرّد للمادّي لا معنى له سواء كان بوجوده في الخارج أو بوجوده في بعض المدارك وملاحظة تلك القوّة المادّية إيّاه من هناك ، لانّ حضور شيء عند مدرك وملاحظته ايّاه بذاته الموجودة في الخارج أو في محلّ آخر انّما يتوقف على ارتباط ومصحّح للحضور ، ولولاه لكان كلّ شيء عالما بكلّ شيء بالعلم الحضوري . والمصحّح لذلك إمّا كون المدرك عين المدرك - كما في علم النفس بذاتها - ، أو كونه لازما له أو متعلّقا به - كما في علم النفس بالصور القائمة بها وعلمها بآلاتها وقواها - ، أو كونه معلولا له - كما في علم الواجب بالأشياء عند جماعة - ؛ ولا يتصوّر تحقّق شيء من ذلك للمجرّد بالنسبة إلى القوّة الجسمانية حتّى يكون مصحّحا لحضوره عندها . على أنّ التأمّل يعطي اشتراط المناسبة بين المدرك والمدرك ، وأيّ مناسبة يتصوّر بين المجرّد الصرف والمادّي حتّى يكون المادّي مدركا وعاقلا له ؟ ! ، وكيف يكون المادّي من حيث هو مادّي محلّا للمجرّد من حيث هو مجرّد مع انّ كلّ شيء لا يتمكّن على التعدّى عن عالمه الخاصّ منها ؟ ! فالمادّي ما لم ينفكّ عن المادّية لا يمكنه تصوّر وجود يكون على خلاف حقيقته ، وهو ظاهر من أحوال الحيوانات العجم والبله والصبيان بين / 113 MB / الناس ؛ هذا . واعترض على الثاني - أعني : الدليل المذكور لانقسام الحالّ بانقسام المحلّ - بأنّا لا نسلّم كون الادراك بطريق الارتسام حتّى يلزم من انقسام المحلّ انقسام الحالّ ، بل