ملا محمد مهدي النراقي
464
جامع الأفكار وناقد الأنظار
سنشير إلى ذلك ببيان أوضح . فقائل كلّ من الوجهين إن كان غرضه انّ مجرد ما ذكره دافع للشبهة ، فليس الأمر كما زعمه - على ما عرفت - ؛ وإن كان غرضه انّ ما ذكره بعلاوة ما أضيف إليه ممّا ذكره القائل الأخير وما ذكرناه دافع للشبهة إلّا أنّه اكتفى بما ذكره وترك البواقي حوالة على الظهور ، فهو حقّ ، إلّا انّ فيه مسامحة لا يجوز مثلها في المقام . وثالثها : انّ جميع الشرور الواقعة في هذا العالم أعدام وليس أمورا موجودة ، فانّ تصفّح الأمور وتتبّعها يعطى الجزم بأنّ جميع الشرور راجعة إلى الاعدام والموجود من حيث هو موجود ليس إلّا خيرا ؛ وقد أشرنا قبل ذلك إلى كيفية رجوعها إلى الاعدام اجمالا . والتفصيل : انّه لا ريب في أنّ جميع الشرور الواقعة في هذا العالم لا ينفكّ عن اعدام وسلب لأحد الخمسة الضرورية أو ما يتعلق بها ويحملها - أعني : الأديان والنفوس والعقول والفروج والأموال - . فانّ الكفر والشرك شرّ لرجوعها إلى سلب الايمان ونفي العقائد الحقّة المطابقة للواقع ؛ والقتل والإماتة والافناء شرور لايجابها سلب النفوس ؛ والقطع والجرح وأمثالهما شرور لاستلزامها رفع الاتصال وتفرّقه ؛ والأمراض والآلام شرور لاقتضائها رفع الصحّة وإزالة صدور الأفعال على ما ينبغي ؛ والزنا شرّ لعدم انفكاكه عن هتك الستر وسلب البضع عن أهلها ؛ والسرقة والغصب والخيانة وأمثالها شرور لاستلزامها سلب الأموال عن أهلها ، وقس على ما ذكر ما لم يذكر من الضرب والشتم والحرق والغرق وغير ذلك . وإذا تصفّحنا الشرور الواقعة في العالم وتجسّسناها لم يخرج شيء منها عمّا ذكرناه . وإذا كان الأمر كذلك نقول : ليس شأنه - تعالى - إلّا اعطاء الوجود ، فلا يصدر عنه - سبحانه - إلّا الخير وانّما يصدر الشرّ - الّذي هو العدم - عن الممكنات المعلولة له - تعالى - ، فالعدم مستند إليه - تعالى - بالواسطة ؛ ولا محذور فيه . هذا لو جوّز صدور العدم عن الممكنات بناء على أنّها ليست عين الوجود ، بل ماهيّات غير الوجود مخلوط بالوجود والعدم ، لامكانها . ولا استحالة في صدور العدم