ملا محمد مهدي النراقي
460
جامع الأفكار وناقد الأنظار
وجب صدورها عن الواجب ، لأنّ ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شرّ كثير ؛ فلا ينبغي وقوعه من الحكيم . والفرق بين هذا الوجه والوجه الأوّل : انّ في هذا الوجه التزم وقوع الشرّ في القضاء الإلهي بالذات ، إلّا أنّه قيل : انّ ما نفع « 1 » شرّ قليل تركه يوجب ترك الخير الكثير ، فلا مانع من استناده إليه - تعالى - ؛ وفي الوجه الأوّل لم يلتزم وقوع الشرّ أصلا في القضاء الإلهي بالذات ، ومنع استناد الشرّ بالذات - كثيرا كان أو قليلا - إليه - سبحانه - . بل قيل : انّ ما يقع من الشرور في القضاء الإلهي فوقوعه بالعرض ، والتزم عدم المنع في الوقوع بالعرض . فعلى هذا الوجه - أي : الوجه الثاني - فدفع شبهة الثنوية : انّ الواجب - تعالى - مبدأ لأشياء خيريتها غالب ، ولا بأس بصدور ما فيه غلبة الخير عنه - تعالى - وإن وجد فيها شرّ قليل . فمن حيث انّ تلك الشرور شرور قليلة خيريتها غالبة لا يلزم فساد في استنادها إليه - تعالى - ، ومن حيث استنادها إليه - تعالى - دون غيره لا يرد وهن على عموم قدرته - سبحانه - . وغير خفيّ انّ شبهة الثنوية بالتقرير الأوضح المذكور اشتملت على تعليلات ثلاثة لعدم جواز مبدئية الواجب للشرّ ، فعلى هذا الوجه وان اندفعت الشبهة بالتعليل الأوّل إلّا أنّها لا تندفع بالتعليلين الأخيرين ، إذ حاصل الشبهة على التعليل الثاني انّ الواجب - تعالى شأنه - صرف الوجود ومحض الموجود الخير ، فيمتنع أن يصير مبدأ للشرّ - سواء كان قليلا أو كثيرا - ، إذ الشرّ إمّا عدم أو تابع له وراجع إليه ، فكيف يمكن أن يحصل العدم عمّا هو موجود محض لا عدم فيه بوجه من الوجوه ؟ ! . وحاصلها على التعليل الآخر انّ الواجب - سبحانه - واحد بسيط من جميع الجهات مناسب للخير وإن كان بهذه المثابة يمتنع صدور الشرّ عنه لعدم المناسبة - سواء كان كثيرا أو قليلا - . والقول بأنّ ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شرّ كثير ، مغالطة في هذا
--> ( 1 ) - كذا في النسختين ؛ والظاهر : + وفيه .