ملا محمد مهدي النراقي
457
جامع الأفكار وناقد الأنظار
لا قليل - . وهذا الحكم يشتمل على دعويين : إحداهما : انّ كلّ ما يوجد في العالم من الشرور شرّ إضافي ولا يوجد في العالم شرّ حقيقي . وسرّ ذلك انّ الشرّ الحقيقي هو العدم والخير الفيضى هو الوجود ، فانّ الوجود بما هو وجود والموجود بما هو موجود خير محض لا شرية فيه أصلا ، إذ لو كان في نفس معنى الوجود والموجود شرّية لكان كلّ وجود شرّا ، والعدم والمعدوم بخلاف ذلك ؛ ولذا إن يحتسب الأمور الّتي تظنّ أنّها شرور وجدت شرّياتها راجعة امّا إلى أعدام لذوات - كالموت والفناء - أو فقدان لكمالات - كالظلم والزنا - ، فانّهما من حيث كونهما أثرين لقوّتى الغضب والشهوة خير لهما وكمال ، وليست شرّا إلّا من حيث فقدان المال وهتك الستر « 1 » . فلا يوجد موجود يكون شرّا حقيقيا . فإن كان موجود شرّا فانّما يكون شرا بالإضافة إلى شيء آخر - كالنار بالنسبة إلى الثوب والقاطع بالنسبة إلى العضو المقطوع ، فانّ النار من حيث هو موجود خير في ذاتها ليس فيها بهذا الاعتبار شرّية أصلا ، وانّما شرّيتها بالنسبة إلى ما يتّفق احراقها له - . وكذا لا يوجد عدم يكون خيرا حقيقيّا . نعم ! قد يتّصف العدم بالخير الإضافي كعدم ما وجوده شرّ / 105 MB / إضافي لشيء بالنسبة إلى هذا الشيء ، فانّ عدم النار خير بالنسبة إلى الثوب المحروق . ولا ريب في أنّ وقوع هذا الشرّ الإضافي لم يكن مرادا بالذات ومقصودا بالأصالة ، بل انّما دخل في عالم الايجاد بالعرض ، فانّ المقصود بالذات من ايجاد النار بلوازمها انّما هو كونها خيرا يترتّب عليها المنافع العظيمة في عالم الايجاد . ثمّ ربما تقع شرّية منها بفعل أحد على ثوب شخص محرقة أو على خشب من بيت فيسري إلى أن يحرق البيت كلّه أو البلد كلّه . وكذا الحال في الطوفانات والطواعين وغيرها من البليات العامّة والخاصّة للحيوانات ، فانّ القصد الأوّل والإرادة الذاتية من ايجاد تلك العلل والأسباب انّما هو خيرات عامّة بالنسبة إلى النظام الأصلح ، وقد يلزمها شرور بالنسبة إلى بعض الافراد والأشخاص . ووقوعها في القضاء الإلهي والإرادة الأزلية انّما هو بالعرض . والوقوع بالعرض
--> ( 1 ) - الأصل : السرّ .