ملا محمد مهدي النراقي

432

جامع الأفكار وناقد الأنظار

يحمل القدرة المطلقة - الّتي صرّح هذا القائل بتعلّقها بجميع الممكنات - على هذا المعنى ؟ . ثمّ لا يخفى انّه بعد اتفاقهم على تعلّق القدرة المستجمعة بجميع ما له امكان الوقوع بالنظر إلى العلم بالأصلح - أعني : نظام الممكنات الموجودة - اختلفوا - كما أشير إليه مرارا - بأنّ تعلّقها بجميع الممكنات هل هو بلا واسطة - حتّى يكون مفيض الوجود على الجميع هو الواجب سبحانه من دون تأثير من الوسائط - ، أو أعمّ من كونه بالواسطة بالنسبة إلى بعض الموجودات ؟ وقد ذكرنا انّ الظاهر من كلام الحكماء هو الأوّل ، وهو المقطوع به عند الأشاعرة ، وقد صرّح به أيضا جماعة من المتأخّرين . قال بعض الأذكياء : لمّا ثبت انّ الامكان علّة الاحتياج إلى المؤثّر مطلقا في بادي الرأي وبعد حكم البرهان يظهر انّ الامكان علّة الاحتياج إلى الواجب المؤثّر الواجب بالذات - لأنّ مقتضى الوجود ليس إلّا الواجب تعالى ، والامكان الّذي علّة الاحتياج إلى الواجب بالذات مشترك بين جميع الممكنات وعامّ بالنسبة إليها - فيكون جميع الممكنات صادرة عنه - تعالى - بالعلم والإرادة ، وما يصدر عن الشيء بالإرادة يكون مقدورا له ، لأنّ القدرة هي الصفة الّتي تؤثّر على وفق الإرادة ، فيكون جميع الموجودات صادرة عنه - تعالى - بالإرادة والاختيار ؛ فيلزم أن يكون جميع الممكنات مقدورة له - تعالى - بلا واسطة . فعمومية العلّة - الّتي هي الامكان - تستلزم عمومية صفة المقدورية ، وهذا هو مراد المحقّق الطوسي في التجريد من قوله : « وعمومية العلّة تستلزم عمومية الصفة « 1 » » ؛ انتهى . والظاهر من كلام جماعة هو الثاني ، فانّه يظهر من كلامهم تجويز أن يؤثّر بعض الممكنات في بعض آخر بالجهة المستندة إليه - تعالى - . وقد ذكرنا انّ نظر الفرقة الأولى إلى أنّ مفيض الوجود ليس إلّا الواجب - تعالى - ، لأنّ الممكن لا شيء محض وما كان كذلك لا يصحّ أن يصير موجدا ، وعلى هذا فشمول قدرته لجميع الموجودات بلا واسطة

--> ( 1 ) - راجع : تجريد الاعتقاد ، المسألة الأولى من الفصل الثاني من المقصد الثالث ؛ كشف المراد ، ص 219 .