ملا محمد مهدي النراقي
244
جامع الأفكار وناقد الأنظار
( عود إلى ما سبق من أبحاث القدرة ) وإذ فرغنا من تحقيق القول في حدوث العالم وبيّنا حقّية الحدوث الدهري وبطلان الزماني والقدم فلنرجع إلى ما كنّا بصدده - أعني : اثبات القدرة بالمعنى الثالث ، أي : امكان الصدور واللاصدور بالنظر إلى الداعي وشرائط التأثير في بعض الأوقات وإن وجب في بعض آخر منها - . فنقول : لمّا ثبت أنّ العالم مسبوق بالعدم الصريح والليس الساذج وبه حصل الانفكاك الواقعي بين الواجب والعالم - كما بينّاه - ، يترتب عليه الامكان المذكور في وقت ما . لا الوقت بمعنى الزمان ، بل بمعنى الواقع ونفس الأمر - فانّ الوقت هنا أعم من ذلك - لأنّ حقيقة القدرة بهذا المعنى هو جواز الترك بالنظر إلى الإرادة والمصلحة أو عدم القبول للوجود ولو في الوقت الموهوم أو التقديري - أعني : الليس الصرف والعدم البحث - ، والحدوث الدهري - على ما فسّر - ملزوم له أو أحد أفراده . والقول بأنّ الترك حينئذ واجب بالنظر إلى الداعي فلا تثبت منه القدرة المفسّرة بالامكان ، قد تقدّم القول فيه . وإذ ثبتت القدرة بهذا المعنى يبطل الايجاب المقابل لها - أعني : وجوب الفعل في جميع الأوقات بالنظر إلى الداعي - ، كما ذهب إليه الفلاسفة ، وعلى القول بالحدوث الزماني يكون ثبوت القدرة بهذا المعنى وبطلان الايجاب المقابل لها أظهر ؛ كما لا يخفى . وأمّا القدرة بالمعنى الرابع - أعني : امكان الفعل والترك في جميع الأوقات ولو في آن الحدوث بالنظر إلى الداعي - ، فالقول بثبوته للواجب - تعالى - ونفى الايجاب المقابل لها ووجوب الفعل في وقت خاصّ مختص بالأشاعرة نظرا إلى انّهم نفوا الايجاب مطلقا وجوّزوا الترجيح بلا مرجّح ، فقالوا : أوجد الله - تعالى - العالم في الوقت الّذي أراد في الأزل أن يوجده بدون مرجّح غير تعلّق الإرادة ، وبالإرادة لا يجب الفعل ،