ملا محمد مهدي النراقي
245
جامع الأفكار وناقد الأنظار
بل كان له أن لا يفعل ما فعل لانّه لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ « 1 » . ولا ريب في بطلان ما ذهبوا إليه ، لأنّ الفعل ما لم يجب لم يوجد - كما مرّ - ، واختيار أحد الطرفين بمجرّد الإرادة من دون مرجّح له ظاهر البطلان - كما تقدّم - . فالحقّ نفي القدرة بهذا المعنى عنه - تعالى - وثبوت الايجاب المقابل لها له - جلّ شأنه - ، فإيجاد العالم في الوقت الّذي أوجده انّما كان على سبيل الوجوب لتعلّق الإرادة بايجاده ، لمرجّح كونه - تعالى - علّة مستقلّة لايجاده وعدم وقت قبله - كما اخترناه - ، أو لمرجّح المصلحة أو العلم بالأصلح - كما اختاره الآخرون - . وقد ظهر انّ القدرة بالمعاني الثلاثة الأول أعني : صدور الفعل بالمشية والإرادة والعلم وامكان الصدور واللاصدور بالنظر إلى الذات وامكانهما بالنظر الداعي في بعض الأوقات - ثابتة له - تعالى - ، والايجاب المقابل لها - أعني : الايجاب الطباعي ، أي : صدور الفعل بدون العلم والمشية ووجوب الفعل بالنظر إلى الذات ووجوبه بالنظر إلى الداعي في جميع الأوقات - منفىّ عنه - تعالى - ؛ وحدوث العالم - دهريا كان أو زمانيا - مستلزم لثبوت القدرة بالمعاني الثلاثة له - تعالى - ونفي مقابلاتها عنه - تعالى - . أمّا استلزامه لثبوت القدرة بالمعنى الثالث ونفى الايجاب المقابل لها فظاهر ، لأنّ معنى القدرة بهذا المعنى راجع بعينه إلى جواز الانفكاك وامتناعه ، فتأثيره - تعالى - في العالم إن كان بالايجاب بهذا المعنى لزم قدم العالم بالضرورة ولا يحتاج إلى الاستدلال عليه ، ويكفى للتنبيه أنّ الحدوث بالمعنيين يستلزم سبق العدم على الحادث فينا في الايجاب بمعنى عدم الانفكاك بديهة . ويرد التنبيه عليه على تقدير الحدوث الزماني / 55 MB / بأنّ العالم إذا كان حادثا بالحدوث الزماني لكان حدوثه لا محالة في حدّ مخصوص من لا يزال ، ولا يمكن استناد ذلك التخصيص إلى الممكن - لاستواء نسبته إلى جميع الحدود - ولا إلى الفاعل - لاقتضائه امتناع الانفكاك - ، فلا يجوز بالضرورة أن تقتضى نحوا من الانفكاك ، فبقى أن يكون هذا التخصيص بلا مخصّص ، وهو محال ؛ فالحدوث الزماني لا يجتمع مع الايجاب بهذا المعنى .
--> ( 1 ) - مقتبس من كريمة 23 ، الأنبياء .