ملا محمد مهدي النراقي

235

جامع الأفكار وناقد الأنظار

إلى ما تقرّر عند الحكماء من أنّ الواحد لا يصدر عنه الّا الواحد - لم يمكن أن يكون واسطة وشرطا في الربط والايجاد ، بل يلزم حينئذ أن يكون موجدا بالاستقلال ، وقد تقرّر عند الحكماء أنّ الممكن لا يمكن أن يوجد ممكنا مثله وإن جاز أن يكون واسطة في الايجاد ، وإلّا لزم أن يكون ما فيه معنى ما بالقوّة مفيدا للوجود . لأنّ كلّ ممكن بما هو ممكن ومن حيث ذاته لا يكون إلّا بالقوّة ، فيكون لما هو بالقوّة شركة في اخراج الشيء من القوّة إلى الفعل ، وللعدم مدخل في إفادة الوجود ، وبديهة العقل يمنعه ! . ولذا وجب أن يكون موجد الجواهر والاعراض المفارقة لذات الموجد خارجا عنها ، فموجد الكلّ ليس إلّا / 53 MA / الواجب - تعالى شأنه - . قال بهمنيار في التحصيل : وإن سألت الحقّ فلا يصحّ أن تكون علّة الوجود إلّا ما هو بريء من كلّ وجه من معنى ما بالقوّة . وهذا صفة الأوّل - تعالى شأنه - لا غير ، إذ لو كان مفيد الوجود ما فيه معنى ما بالقوة - سواء كان عقلا أو جسما - كان للعدم شركة في إفادة الوجود وكان لما بالقوّة شركة في اخراج الشيء من القوّة إلى الفعل ؛ « 1 » انتهى . على انّ استناد وجود الحادث - أعني : العالم الجسماني - إلى المجرّد القديم مع استقلاله في العلّية يوجب تخلّف المعلول عن العلّة ، فلا بدّ من واسطة أخرى ليحصل بها الربط بينهما . وبذلك يظهر أنّ البرهان العقلي قائم على بطلان قدم المجرّدات أيضا ، لأنّها إذا وجدت قديمة فلا يخلوا إمّا أن تكون عللا مستقلّة لايجاد العالم الجسماني أو شرائط ووسائط له أو معطّلة خالية عن المدخلية في التأثير والإفاضة ، والأوّل يوجب تخلّف المعلول عن العلّة وتأثير الممكن في الممكن ، وهما باطلان . فان ادّعى حينئذ لدفع المحذور الأوّل قدم العالم الجسماني ، ففيه : انّه مدفوع بالدلالة القطعية على حدوثه ، مع انّه يبقى المحذور الثاني على حاله . وإن ادّعى عدم المصلحة أو العلم بالمصلحة في وجوده قبل وقت الحدوث أو عدم قبوله للوجود الأزلي ففيه انّ هذه الوجوه جارية بعينها إذا

--> ( 1 ) - راجع : التحصيل ، الفصل الأوّل من المقالة الخامسة من الكتاب الثاني ، ص 521 .