ملا محمد مهدي النراقي

194

جامع الأفكار وناقد الأنظار

فاقوا على طوائف العباد أجمعين ، وتأيّدوا من عند الله تعالى بالمعجزات الباهرة والآيات القاهرة - قد اتوا بتناهي العالم من جانب البداية وحدوثه ودانوا به واصرّوا على ذلك وتشدّدوا في الانكار على منكريه - مع انّه لا يضرّهم القول بقدم العالم بوجه - يجزم بانّهم لم يأتوا به إلّا عن يقين قطعيّ وصدق واقعي ، إذ القول بعدم ثبوت الحدوث بعد العدم من الأنبياء . ومنع تحقّق الاجماع مكابرة صرفة ومجادلة محضة ، كيف وجمّ / 41 DB / غفير من مشاهير علماء الفريقين ادّعوا الاجماع عليه ؟ ! ، والأخبار الدالّة عليه بلغت حدّ التواتر ؛ منها : الحديث المشهور الّذي تلقّته الأمّة بالقبول وهو قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : كان اللّه ولم يكن معه شيء « 1 » . فان قيل : المعية المنفية في هذا الخبر ليست هي المعية الزمانية - كما يأتي بيانه - ، ولا المعية الشرفية ، فبقى أن تكون هي الذاتية الّتي هي تأخّر الأشياء جميعا بمحض ذواتها عن ذات العلّة وافتقارها الذاتي إليها ؛ قلنا : لا ريب في أنّ المعية المنفية ليست زمانية ولا شرفية ، بل هي المعية الدهرية ، فالمراد : انّ اللّه - تعالى - كان موجودا في حاقّ الواقع ومتن الدهر ولم يكن معه العالم بمعنى انّ العدم المحض والليس الصرف كان سابقا عليه - كما يأتي بيانه مفصّلا - . فالمراد من الخبر نفي القدم الدهري من العالم وهو أن لا يسبقه عدم في متن الدهر بأن يكون أزلي الحصول في حاقّ الواقع ومتن نفس الأمر . وهذا المعنى هو الظاهر من الخبر والمتبادر عند أهل اللسان والمتعارف المألوف من عرف أرباب الشريعة . وأمّا حمل المعية المنفية على المعية الذاتية والقول بأنّ المراد بيان مجرّد التقدّم الذاتي - كتقدّم اليد على المفتاح - ، فممّا لا يكاد يفهمه أهل اللسان وليس مألوفا من عرف صاحب الشرع ، ولا ينتقل إليه أذهان السامعين ولا يوافقه ألسنتهم ، مع انّ اللّه

--> ( 1 ) - هذا الحديث - كما قال المصنّف رحمه اللّه - تلقّته الامّة بالقبول ، فيوجد في كثير من مصادر الفريقين . راجع : بحار الأنوار ، ج 57 ، ص 234 ؛ صحيح البخاري ، ج 4 ، ص 129 ، ج 9 ، ص 152 ؛ اتحاف السادة المتقين ، ج 2 ، ص 105 .