ملا محمد مهدي النراقي
177
جامع الأفكار وناقد الأنظار
، فكونه حسنا مرجّح لايجاده ، فذاته من حيث هي لا يمتنع عليه الفعل والترك وانّما يمتنع الترك لأجل كون الفعل خيرا وحسنا . هذا ؛ ولو لم يثبت القدرة بهذا المعنى من الشريعة القويمة والدلالة العقلية - كما ذكرناه من كون فعله تعالى معلّلا بالداعي - لم يترتّب على نفيها قدم العام ، لأنّه يمكن القول بحدوث العالم مع القول بوجوب الايجاد بالنظر إلى الذات ، لأنّ الذات إنّما يقتضي ايجاد كلّ شيء على ما ينبغي وإفاضة الوجود على المهيات في الوقت الّذي يمكنها أن يقبل فيه الوجود ، فعلى القول بوجوب ايجاد نظام الخير بالنظر إلى الذات يمكن أن يقال : انّ هذا النظام انّما يقبل الوجود مسبوقا بالعدم الدهري أو الزماني وليس قابلا للوجود بدونه ، كما انّ الحوادث غير قابلة للوجود قبل أوقاتها المعيّنة - ويأتي لذلك زيادة بيان وإيضاح - . وأمّا القدرة بالمعنى الثالث - أي : امكان الفعل والترك بالنظر إلى شرائط التأثير في شيء من الأوقات ، وبالجملة امكان انفكاك ذاته تعالى عن ايجاد العالم في وقت ما امكانا وقوعيا - فقد عرفت انّ الايجاب المقابل له هو امتناع الترك بالنظر إلى الداعي ونحوه من الشرائط المقتضية - أي : استحالة انفكاك ذاته تعالى عن ايجاد العالم - . وعرفت أيضا انّ الفلاسفة لم يثبتوا القدرة بهذا المعنى للواجب - تعالى شأنه - لذهابهم إلى الايجاب المقابل لها - أعني : قدم العالم - ، وانّ المعتزلة قائلون بثبوتها له - تعالى - . وأشرنا إلى انّ الظاهر انّ المعتزلة ومشاركيهم ممّن يثبت القدرة بهذا المعنى لم يريدوا بها امكان الفعل والترك امكانا وقوعيا في وقت ووجوب الفعل في وقت آخر ، بل أرادوا بها وجوب الترك في وقت ووجوب الفعل في وقت آخر . ولا بأس بإطلاق القدرة وامكان الترك والفعل امكانا وقوعيا على هذا المعنى . والباعث على هذا الحمل انّه لا ريب في انّه كما يجب ايجاد العالم في الوقت الّذي أوجده لوجود الشرائط المقتضية فكذا يجب تركه قبل ذلك لعدم تلك الشرائط ، فلا فرق بين وجوب الفعل والترك في الوقتين .