ملا محمد مهدي النراقي
162
جامع الأفكار وناقد الأنظار
الفعل اختياريا ولا في كون ذلك الفاعل قادرا مختارا . ثمّ الحكماء لمّا ذهبوا إلى أنّ صفاته - تعالى - عين ذاته قالوا : انّ مبادي الأفعال الاختيارية - من العلم والمشيّة والإرادة - تكون حاصلة له - تعالى - دائما ، فيدوم عنه صدور الفعل بسبب دوام تلك المبادي . فمقدّم الشرطية الأولى عندهم واقع ، بل ضروري ذاتي ؛ ومقدّم الشرطية الثانية غير واقع ، بل ممتنع امتناعا ذاتيا ، وقالوا : ليس ذلك منافيا لقدرته - تعالى - . فالقول بتأثيره - تعالى - بالاختيار بهذا المعنى ليس مختصّا بالمليين ، بل الحكماء أيضا قائلون بذلك ، فالايجاب المقابل له - أي : صدور الفعل بدون العلم والإرادة والمشية - ممّا لم يقل به أحد . ولا يخفى عليك انّ القدرة بهذا المعنى - أعني : صدور الفعل بالعلم والإرادة والمشية - ممّا لا ريب في اتصاف الواجب - تعالى - بها وفاقا للكلّ ، ونحن - : معاشر المليين - متفقون للفلاسفة في اثباتها له - تعالى - ، إلّا أنّ كلامنا معهم في وجوب صدور الفعل عنه دائما ووقوع مقدّم الشرطية الأولى / 34 DB / دائما ، فانّه يلزم منه قدم العالم ونحن لا نقول به ؛ وسيجيء تحقيق الكلام فيه . وأمّا القدرة بالمعنى الثاني - أعنى : امكان الصدور واللاصدور بالنظر إلى الذات - ، فلا ريب في اتصافه - تعالى - به أيضا كما اجمع عليه المليون ونسب إلى الحكماء أيضا . ويدلّ عليه : انّ الموجود بمحض ما هو موجود يمكن اتصافه بالقدرة بهذا المعنى ، ولا يمتنع عليه ذلك إلّا أن يمنعه مانع زائد على نفس معنى الموجود ؛ وقد تقدّم ويأتي انّ واجب الوجود حقيقته صرف الوجود ومحضه لا يطمح فيه شيء غير نفس الوجود والموجود ، فاذن هذه الصفة ، أعني : القدرة بهذا المعنى - ممكنة له . ولا ريب أنّ كلّ ما يمكن له يجب أن يكون ثابتا له بالفعل ، لأنّه لو أمكن له شيء ما ولم يكن حاصلا له بل كان بالقوّة لكانت ذاته حينئذ خالية بذاتها عن ذلك الشيء قابلة له ، فيحتاج إلى فاعل يوجد هذا الشيء فيها ؛ فإن كان فاعل هذا الشيء وموجده فيها هو واجب الوجود نفسه كان الفاعل والقابل شيئا واحدا ، وهو باطل ؛ لأنّ الفاعل شأنه الإفاضة والقابل شأنه