ملا محمد مهدي النراقي
117
جامع الأفكار وناقد الأنظار
فان قلت : إذا كان الحاصل من البراهين هو العلم بوجوده / 26 MB / الرابطي ، فمن أين يحصل العلم بوجود الأصيل - تعالى شأنه - ؟ ، مع انّا بعد تمام البرهان نقطع بوجوده الأصيل كما نقطع بوجوده الرابطي ؛ قلت : العلم بالوجود الأصيل بعد حصول العلم بالوجود الرابطي الّذي هو مقتضى البرهان انّما يحصل من انضمام مقدّمة خفية بديهية مركوزة في العقول إلى مقتضى البرهان ، فيترتّب معها ترتيبا سريعا خفيا يكون منتجا لهذا العلم - أي : العلم بوجوده الأصيل - . والظاهر انّ تلك المقدّمة / 26 DA / الخفية هي ما ارتكز في العقول من أنّ الأمور العينية الّتي وجودها في أنفسها ممكن بالامكان العام إذا كانت معدومة في أنفسها لا يمكن أن تكون موجودة لغيرها ، فإذا ثبت بالبرهان وجودها لغيرها انتقل الذهن بمعاونة هذه المقدّمة إلى وجودها في أنفسها أيضا من غير افتقار إلى تجشّم ترتيب المقدمات والاستنتاج . والظاهر انّ نظر من قال : الانتقال إلى الوجود الحقيقي انّما هو بالحدس لا بالاكتساب ، إلى ما قلناه ؛ وكذا نظر من قال : انّ الترتّب والانتاج لحصول هذا العلم انّما هو من قضايا قياساتها معها إلى ما ذكرناه ؛ لأنّ هذه القضايا هي القضايا المسمّاة « بالفطريات » ، المعرّفة « بقضايا يحكم بها العقل بواسطة لا يعزب عن العقل عند تصور الطرفين » ، كالحكم بأنّ الأربعة زوج ، لانقسامها بمتساويين ؛ هذا . وقيل : حصول هذا العلم بعد حصول النتيجة من البرهان إنّما هو بطريق الاتّفاق كحصول التصديق بعد تصور الطرفين ؛ وهو كما ترى . المنهج الثاني منهج بعض الحكماء وهو الاستدلال بمجرّد الامكان الوقوعي والمراد به أن يكون الشيء بحيث لا يلزم من فرض وقوعه محال ؛ والممكن بالامكان الذاتي اعمّ من أن يلزم من فرض وقوعه محال أم لا . وأنت خبير بأنّ ما مرّ من أدلّة الإلهيين كانت مبتنية على اخذ الوجود بالفعل والاستدلال به على الواجب ؛