ملا محمد مهدي النراقي
116
جامع الأفكار وناقد الأنظار
ويرد على هذا التعليل : انّ الثابت بالبرهان ليس إلّا الوجود الرابطي لا الوجود الأصيل ، لانّ ما ثبت بالبرهان مطلقا يكون لا محالة مفادّا لقضية المستنتجة من مقدّماته - أعني : الحكم المطلوب - ، وحاصله إمّا ثبوت شيء لشيء أو نفيه عنه - أي : ثبوت الأكبر للأصغر أو نفيه عنه - ؛ ويقال لهذا الثبوت والنفي « الوجود والعدم الرابطيان » ، وأمّا ثبوت الأكبر في نفسه - أي : الوجود الأصيل - فليس مستفادا من القضية المذكورة ولا مستنتجا من البرهان . وإذا كان الثابت بالبرهان هو وجوده الرابطي دون وجوده الأصيل - تعالى شأنه - فنقول : ما هو علّة لكلّ شيء انّما هو وجوده الأصيل - عزّ شأنه - لا وجوده الرابطي ، فيجوز أن يكون وجوده الرابطي معلولا لبعض الأشياء مع كون وجوده الأصيل علّة للجميع ؛ فتعليل الأكثر في إنّية هذه البراهين دون لمّيتها عليل ، لأنّ جميع هذه البراهين - سواء كان الربط فيها هو الموجود كما هو منهج الإلهيين ، أو المتحرّك كما هو طريقة الطبيعيين ، أو الحادث أو الممكن بشرط الحدوث كما هو مسلك المتكلّمين - لا يثبت منها إلّا الوجودات الرابطية - أي : وجود موجد واجب بالذات للموجودات ومحرّك غير متحرّك للمتحرّكات ومحدث صانع للعالم - ، ولا دلالة لشيء منها على وجود أصيل بواحد من الموجد والمتحرّك والمحدث ، ولا يثبت برهان وجود أصيل لشيء مطلقا . فالعلّة في انية بعض البراهين ولمّية بعض آخر انّ الأوساط الّتي تؤخذ في البراهين إن كانت باعتبار النسبة الّتي بينها وبين الأصغر علّة للوجودات الرابطية الّتي هي مفاد البرهان في الواقع كما هي علّة لها « 1 » الذهن كانت البراهين لمّية ، وإلّا كانت انية . والتحقيق أنّ شيئا من الأوساط المأخوذة في براهين اثبات الواجب باعتبار ثبوتها لموضوعاتها ليست علّة للوجودات الرابطية للواجب - تعالى - في الواقع - أعني : وجود موجد بالذات أو محرّك غير متحرّك أو محدث صانع للعالم - ، إذ لا تقدّم ذاتيا لكون الممكن موجودا أو متحرّكا أو حادثا على كونه ذا موجد أو ذا محرّك أو ذا محدث ، بل علّيتها له منحصرة في الذهن ؛ فلا ينعقد البرهان اللمّي على شيء من تلك المناهج .
--> ( 1 ) - الأصل : كما هي عليها .