ملا محمد مهدي النراقي
115
جامع الأفكار وناقد الأنظار
كان لذاته أو لغيره - تقدّم وتأخّر على الآخر ، مع انّه هنا دلالتان متنافيتان إحداهما - وهي المقدّمة المشهورة - تدلّ على تقدّم الوجوب على الوجود في نفس الأمر وأخراهما - وهي كون الوجوب نعتا - تدل على العكس . وما ذكره هذا القائل يدلّ على أنّ كون الشيء نعتا - إذا كان انتزاعيا - لا يوجب تأخّره ، وبذلك يثبت التلازم والاتحاد في الوجود بين الوصف والموصوف . ولا ريب أنّه مخالف للدلالة الأولى - أعني : المقدّمة المشهورة - ، لاقتضائها تقدّم الوجوب ، وما ذكره لا يدفعها ولا يتخرّج منه جواب عنه . فالحقّ في الجواب أن يقال : للموجود وجوبان : وجوب سابق ، ووجوب لاحق ، فالوجوب المقدّم على الوجود هو الوجوب السابق ، وليس هو نعتا للوجود لتقدّمه عليه وعلّيته له - وهو المراد من المقدّمة المشهورة - ، والوجوب الّذي هو نعت للوجود ومتأخّر عنه هو الوجوب اللّاحق . وإذا ثبت ذلك نقول : لا ريب في أنّ تقدّم الوجوب السابق على الوجود وتأخّر الوجوب اللّاحق عنه إنّما هو في الوجودات الامكانية ، ولا يتصوّر ذلك في واجب الوجود ، فانّ الوجوب فيه عين ذاته لا يتصوّر له تقدّم وتأخّر ، فالاستدلال بطبيعة الوجود على طبيعة الوجوب لو سلّم انّه استدلال من المتقدّم - أعني : الوجود - على المتأخّر - أعني : الوجوب - انّما يصحّ في الوجود والوجوب اللّذين للممكن دون الواجب ، لأنّ الاستدلال من وجود الواجب على وجوبه ليس استدلالا من المتقدّم على المتأخّر ، لأنّ الوجوب عين ذاته . مع أنّه وقع الاستدلال من الوجودات الامكانية - الّتي هي معلولات للواجب - على وجوب الوجود الّذي هو عين الواجب ، فأين ذلك من اللمّ ؟ ! . وبما ذكرنا ثبت وتحقّق انّ جميع براهين اثبات الواجب إنّية ولا يمكن الاستدلال عليه باللمّ . ولكن هنا دقيقة لا بدّ أن يشار إليها ، وهو أن الأكثر علّلوا انتفاء طريق اللمّ في اثباته - تعالى - بانّه - تعالى - علّة لكلّ شيء بواسطة أو بدونها ، فبأيّ شيء استدلّ به عليه كان استدلالا من المعلول على العلّة ، فيكون إنّيا ولا يتصوّر طريق اللمّ .