أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
98
التوحيد
مثله لا يكون جسما ولا عرضا ولا محدثا ولا محتملا للفناء ؛ لأنه إن كان على شيء من ذلك فلا يكون مثله ، وبه سأل ، فكيف يبقى ذلك الذي ذكر ، وما ذكر هو أبعاض ما في كون ذلك نفيه ، ولا قوة إلّا باللّه . وقد قلنا على المعتزلة ما هو أوضح من ذلك ، مع ما يلزمهم من وجه آخر ، وهم أنهم يصفون اللّه بالقدرة على الكذب والسفه والظلم ، مما لو كان شيء من ذلك ليبطل ربوبيته ، ثم لم يجز فعله ذلك ، لذلك فليقل : يقدر على خلق مثله ولكن لا يفعل ؛ لأنه ليست الأعجوبة في جعل الحدث قديما ، وما يحتمل الفناء غير فان ، وما يقع عليه أثر الصنع غير واقع ذلك إلا بالأعجوبة في جعل القديم حديثا والباقي فانيا والحكيم سفيها ، فإن استقامت القدرة على هذا - على إحالة الفعل - فمثله الأول على مذهبهم ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الإحالة على مذهبنا سهل وهو أن اللّه جل جلاله محال دخوله تحت القدرة ، فالقول بإدخال غير تحت القدرة ليصير بها مثله دفع المثلية عنه ؛ لإحالة دخوله تحت القدرة والآخر بها يلحقه به ، ولا قوة إلّا باللّه . وإن شئت قلت : السؤال متناقض ؛ لأنه قال : يقدر أن يخلق مثله ، ومثله لا يكون مخلوقا ، فكأنه قال : يقدر على ما ليس له مثل من الخلق قبلي . وأيضا أن في الاحتمال غير ما هو عليه سقوط هويته ، فيكون ذلك الغير هو الهو الذي به يكون هوية الأشياء ، ولا قوة إلّا باللّه . والأصل أن اللّه سبحانه إنما ثبتت له الإلهية بما حقق تعاليه عن المثل والشيئية ، فمحال احتمال مثله لما به سقوط ألوهيته . على أن الكلام متناقض من الوجه الذي يقول ؛ لأنه يخبر أن يجعل ، فصيره مجعولا ، ومحال كون مجعول جاعل على إزالة الجعل الذي به كان ؛ لما به زواله ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم على قولهم : كان غير خالق فصار خالقا ، فقد أدخله من هذا الوجه تحت القدرة التي بها صار خالقا ، فكيف ينكر جواز من لم يكن كذلك ، فيصير كذلك بأنه خلقه كذلك ، كما صار هو كذلك بأن خلق غيرا ، واللّه المستعان . ثم سئل عن اللّه : أكان قادرا على خلق الأشياء قبل خلقها ؟ ، زعم أنه نعم ، دليله أن العاجز ممنوع ، فدل وجود المحدث على قدرته ، وإذا كان هو قادرا بذاته ، لا بما يعرض من القدرة ، فهو موصوف بالقدرة على الدنيا وأمثالها مما لا يحصى . قال الفقيه رحمه اللّه : فيقال له : إذ هو قادر بنفسه لا بقدرة ، يعرض كيف زعمتم أنه يقدر على خلق جميع حركات العباد وسكونهم إلى أن يقدرهم عليها ، فإذا أقدرهم عليها زالت قدرته عليها ، إلا أن يأخذ القوة عنهم ، فهذا وصف القدرة بالذات أو