أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
99
التوحيد
بالعوارض ، ومن ذلك وصفه فالقول له بقوة لم يظهر منه الفعل محال ، وما يحتمل زوال قدرته ، فالقول بالقدرة بذاته على مذهبهم محال . وإنما أردت بما ذكرت من أقاويل المعتزلة - وإن لم يكن لي إلى ذكرها حاجة - ليعلم المتأمل أن لا سبيل إلى إثبات التوحيد ودفع معارضات الملحدة على مذهبهم ، وأن الحق من القول في التوحيد قول غيرهم ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم زعم أن كل قادر سبقت قدرته فعله فهو وصف من قدر بغير ، وفعله بغيره ، فهو يتحول من حال إلى حال ، وتقبل ذاته الاستحالة والزوال . فأمّا اللّه سبحانه فبنفسه يقدر على الأشياء ويفعلها ، فما يذكره في ذلك فاسد ، ولا قوة إلّا باللّه . وقد بينا فيما تقدم بأبلغ من هذا ، وباللّه التوفيق ، وفي هذا آية جعل ذاته عالمة ، وقد بينا وهمه . ثم سئل عن خلقه الأشياء إذ لم يكن له فيه نفع ولا كان عابثا به ، فزعم أنه خلق العرض على ثواب الأبد ، وذلك حكمة ، فيكون فعله لنفع يكون لخلقه لا لعلّه تقدمت الخلق ، وهو كاتحاد البنيان وأنواع الأشياء يحدث من العباد . قال أبو منصور رحمه اللّه : وقد بينا نحن ما يقتضي هذا الحرف من الجواب . على أن السؤال عن العلة محال ؛ لإحالة أنه يكن لأحد عليه سلطان ، أو يخرج فعله عن الحكمة فنسأل عنه . وبعد ، فإن السؤال عن تعرّف حكمة الربوبية وحق ربوبيته علينا معرفته ومعرفة حقه وأمره والقيام بما علينا من طاعته وتعظيمه ، والإعداد لحق الجواب في كل ما يقوله ويعلمه ، وذلك يشغلنا عن طلب الاعتدال له في فعله ، أو الاحتجاج بالجواب عنه فيما تعدّى السائل طوره ، وأعرض عما عليه من أعذاره لفعله الذي هو مسؤول عنه مجزي به ، ولا قوة إلّا باللّه . وقوله خلق الخلق لنفع الخلق ونفعه ، ما ذكر فإنه حيد عن الجواب ؛ لأنه سئل عن خلق الأشياء ، ومن ذكر فهم صنف من الجملة ؛ فلذلك أوجب ذلك حيده . وعلى ذلك شأن القدرية فيما يسألون عن خلق الأفعال فيرجعون في الجواب إلى فعل الكفر والمعاصي ، وذلك فاسد ؛ لأن طريق هذا سمعي ، والأول الذي وصف عقليّ . قال الشيخ رحمه اللّه : والأصل عندنا أن اللّه تعالى لم يخلق خلقا إلا وأثر نعمه عليه ظاهر ، وأدلة جوده فيه بيّن ، وأنه حكمته بما فيه من دلالة وحدانية موجده وبرهان سلطانه ونفاذ مشيئة فيه محقق ، وعلامة قدرته وعلمه بحقائق الأشياء غير خفي في ذلك . والسؤال على أنك لم أنعمت ؟ أو لما ذا أظهرت جودك ؟ ولم كانت الحكمة ؟ ولم