أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
97
التوحيد
على ما عليه من قيام الأوائل بالأواخر واتفاق ذلك علم أنه كان عن علم به ، ثم محال كون حسّ به يعلم ولا محسوس أو قياس ولا عبرة ، ثبت أنه عالم لذاته ، وفيما العالم لذات العالم سواء في غيبة المعلوم وحضرته ، ولا قوة إلّا باللّه . قال أبو منصور رحمه اللّه : والأصل في ذلك ما ذكرت أنه عرف لا بالحس وفيما عرف به دليل علمه به ؛ إذ جعله على وجه دله عليه ، ثم لم يحتمل أن يكون علمه به غيره ؛ لما لم يكن غير حتى أنشأه ، ثم ذلك المنشأ كان دليلا عليه ، ثبت أنه كان قبل كونه عالما به ، ولا غير له غيره به علم ، ثبت أنه عالم بذاته لا بغيره ، واللّه الموفق . ثم سأل نفسه عن أشياء لا معنى للسؤال عنها إلا عن التّعنّت ، وحق جواب التّعنّت التأديب بما يمنعه ، لا الاستدلال بالأدلة على نحو ما بينا من شأن سوفسطائي . فسأل عن اللّه أنه أليس على كل شيء قدير ؟ فأجاب بنعم . فقال : يقدر على إدخال الدنيا في بيضة ، فأجاب بالتناقض ؛ لما في ذلك جعل البيضة أوسع منها ، وقد جعلها أضيق منها ؛ إذ هي جزء منها ، وكذلك هذا التأويل في الأصغر والأكبر . قال الفقيه رحمه اللّه : وجوابه عندنا أنه أراد بما قال على إبقاء البيضة بعضا للدنيا فهو محال ؛ لما فيها انقلاب بعض كلا ، وكلّ بعضا بلا تغيّر عن حاله ، وذلك تناقض . وإن أراد بالبيضة وغير البيضة من الدنيا يجعل فيها فهو على وجهين : أحدهما أن يكونا بحالهما ، فقد أحال لما ذكر محمد بن شبيب ، وإن أراد به بذلك تصغير ما قال أو توسيع البيض حتى يسع فيه ما وصف فهو على ذلك قادر ، وباللّه التوفيق . وصاحب الكتاب ينتحل نحلة الاعتزال ، ومذهبهم أن اللّه لا يقدر على خلق فعل بعوض فما فوقه من الجواهر ، وفعل ذلك كله واقع تحت القدرة أو في ذلك لغيره قدرة ، فأبوا تحقيق ما ادعوا من أنه قادر على كل شيء في أكثر الأشياء التي هي في حد الإمكان في العقول ، فمعارضة أمثالهم بالخارج عن حد الإمكان في العقول لا معنى له ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم سأل نفسه : يقدر أن يخلق مثله ، قال : ذا محال ؛ لما فيه إيجاب مخلوق ، والمخلوق محدث وهو قديم ، فيبطل أن يكون مثله ؛ لما به يسأل عن القدرة ، وهو مثل الأول في الإحالة ، وأيضا قال : في ذلك إثبات مصنوع ، وهو لا يخلو من أن يكون جسما فيه آثار صنعه أو عرضا لا يقوم بنفسه ، ونفسه يدل على حدثه ، وهو ليس كواحد منهما . قال : وأيضا أن كل محدث يحتمل الفناء ، وهو يتعالى عن احتمال حدوث الفناء ؛ لما يصير ما لا يجوز عليه الفناء وما لا يجوز في غيره وقت على قلب ذلك . قال الشيخ رحمه اللّه : ومن تأمل ما ذكر عرف حيد السائل في السؤال عن سنن القول فيما له احتمال التمكن في العقول ؛ لأنه سأل : يقدر أن يخلق مثله ، ومن يكون