أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

96

التوحيد

حرف يفهم ما لا منفعة في فهمه ، بل فيه كل ضرر ، ولو لم يرد بذلك سوى نفي الأضداد فليقل : هو صحيح سليم معافى على نفي الأضداد دون تحقيق الذي ذكر . فإذا لم يجز ذا بان أن الذي زعم من بيان حاصل الذي ذكر وهم . وبعد ، فإن خروج الأفعال المتتابعة على حسن النظام والإحكام هي أدلة العلم بها والقدرة عليها لا أنها أدلة من ليس بجاهل ولا عاجز ؛ إذ غير واحد بما وصفه لا يكون منه فعل البتة ولا اتساق ، نحو الأعراض كلها ، ولا قوة إلّا باللّه . على أنها أسماء عن صفات تسقط لسقوط الصفات ، فإذ لم تحقق الصفات صيرت الأسماء أسماء ألقاب ، وإذا صارت كذا فالقول بأنه لم يزل كذا كلام لا معنى له لإحالة اللقب في الأزل ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم إذ لم يجب في القول بسميع عليم كون كل معلوم مقدور عليه مسموع في الأزل ، فمثله في القول بالخالق ، لكن خالق الأشياء ليكون على ما هي عليه كما هو عالم بها كذلك وقادر ونحو ذلك . وإذا كان القول بعالم سميع بصير وبالعالم السميع البصير واحدا فكذلك بخالق والخالق واحد ، بل الخالق في إيجاب قدم الخلق أحق لو كان التقدير من الملفوظ من " خالق " ، ألا يرى أنه على وزن خالق يقال : مالك يوم الدين ، وخالق كل شيء ، يدخل في ذلك كل حادث وقائم ، ليس في قوله الخالق ذلك ، ولا هو يقول عليه في العرف ، ولا قوة إلّا باللّه . قال أبو منصور رحمه اللّه : والأصل أن اللّه تعالى إذ لا سبيل إلى العلم به إلا من طريق دلالة العالم عليه ، بانقطاع وجوه الوصول إلى معرفته من طريق الحواس عليه أو شهادة السمع ، ثم الشاهد يدل عليه من وجه الشهادة له بالصفة لا من وجه الشهادة بالذات ؛ إذ الوجود بعد أن لم يكن هو دليل الإيجاد والإحداث الذي به يعلم الموجود المحدث . واختلاف أحوال الشاهد واجتماع المتضاد في الواحد هو دليل قدرته ونفاذ التدبير الذي بالمدبّر القوي يكون ، واتساق التدبير وعدم التفاوت في الواقع تحت العقل على كثرته دليل علم العقل الذي به يعلم العالم ، ولا شيء في المحسوس يدل على ذات ، إذا نفى عنه الصفة لم يجز القول بإثبات ذات غير تحقيق الصفات ، إذ ذلك غير طريق شهادة العيان ، وكذلك شهادة من ثبت صدقهم بالأدلة جاء بالعليم السميع البصير على ذكر العلم والقدرة ونحن ذلك ، مع العلم أن هذه الأسماء من أسماء الصفات . ثم إذ لم يجز الوصف بالمكان وبالخروج أو الدخول أو الاتصال أو الانفصال أو البينونة أو نحو ذلك ، على نفي أضداد تلك الأحوال من غير إثبات تحقيق الملفوظ ، وكذلك شأن الاجتماع والافتراق والتحرك والسكون لم يجز الذي قالوا ، وباللّه التوفيق . قال أبو منصور رحمه اللّه : إذ ثبت حدث العالم ، ومحال كونه بعد أن لم يكن