أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
95
التوحيد
ثم أجاب من سأل : أمن شيء خلق الأشياء أو من لا شيء ؟ فقال : لا من شيء ، معناه أن اخترع الأشياء أي ابتدعها من غير أصل ، وهذا فيما أخبر من حدث الأجسام . لكن مذهب المعتزلة أن شيئية الأشياء لم يكن باللّه بل كان به وجودها ، فيكون على قولهم خلق الأشياء لا من شيء محال ، بل لم يخلق الأشياء لكنه أوجد أعيانها عن العدم ، وهن في العدم أشياء ، وذلك من مضاهات الدهرية والحمد للّه الذي عصمنا عن ذلك . وجوابه لسؤال اللّه غريب إنه خلق لمنافع الخلق . وسئل إنّه لم خلق ؟ قال : لمنافع الخلق ، ولم خلق لمنافع الخلق ؟ وأي حاجة كانت للخلق ولا خلق ، ليخلق الخلق لمنافعهم ؟ فلو جاز أن يقال : خلق خلقا بلا حاجة لمنافعهم كيف لا خلق إذا لمنافع نفسه وإن لم يكن له حاجة ، وهذا بقوله أولى ؛ لأنه كان غير خالق ولا رحمن ولا رحيم ، وهذه أسماء التعظيم والمدح ، وكأنه انتفع بالخلق عندهم ؛ إذ لم يكن كذلك بذاته فصار كذلك بخلقه ، جل اللّه عن صفات الحاجات والمنافع ، ولا قوة إلّا باللّه . قال الفقيه رحمه اللّه : وقوله خلق هو ذلك الشيء ، فإذا الشيء بذات اللّه أو بذات نفسه ، إذ لم يكن من اللّه إلا ذاته ، ولا إلى الخلق منه سوى الخلق بذاته ، فكيف صار هو خالقا ولم يكن منه غير الخلق دون أن كان الخلق بلا غيره ؟ ولم لا كان الخلق في أن يكون خالقا أحق منه ؛ إذ لم يكن منه إليه سوى أن كان هو ، وقدم الشيء لا يوجب كون آخر به إذا لم يكن منه إليه ما به يكون في الشاهد كيف أوجب ذلك في الغائب ؟ وقوله لكيف خلق ؟ لم يخلق بالمعالجة ، وما ذكر كلام لا معنى له ؛ لأنه لم يسأل عما لم يكن ، بل سئل عن كيفية فعله ، فقوله لم يعالج لا معنى له ، وإذا كان عنده أن خلق الشيء هو ذلك الشيء فليذكر إذا في جوابه ذلك الشيء دون أن يقسم السؤال ثم يزيل عنه المفهوم من الكيف ، ولا قوة إلّا باللّه . وأجاب لمن عارضه بأنه إذا لم يزل عليما سميعا بصيرا لم لا قلت : إنه لم يزل خالقا ؟ فزعم أن في ذلك إيجاب الخلق في الأزل ، ويعني بلم يزل سميعا نفي الصمم ونحو ذلك في العالم والبصير . وزعم أنه يقول : لم يزل الخالق ولا يقول خالقا لما ذكر . قال الفقيه رحمه اللّه : فإن لم يكن في قوله لم يزل سميعا بصيرا عليما إلا أنه ليس بجاهل ولا أعمى ولا أصم فكان التصريح بهذا أولى ؛ إذ هو أبعد من الشبهة ؛ إذ قد يجوز أن يقال للشيء ليس بجاهل ولا عاجز ولا أصم ، ولا يجب به الوصف بقادر عالم سميع بصير ، فإذا لم يكن في ذا سوى نفي الذي ذكر فحرف النفي أقرب من