أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
94
التوحيد
بمعنى يوجد بالأدلة وشهادة العالم . وما هو ؟ ما اسمه ؟ اللّه الرحمن الرحيم . وجواب ذلك عندنا هو اللّه الواحد الذي ليس كمثله شيء ، وبهذا الحرف نقطع سبيل العود إلى السؤال ؛ لأنه يعود إلى ما يتصوّر في الوهم ، وفي هذا نفيه إلا من حيث الوجود بالأدلة ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم أجاب عن قوله : أين هو ؟ إنه في الأشياء مدبر لها لا على الحلول ، كما يقال فلان في عمله ، وقال : لا على إحاطة الأشياء به . قال الشيخ رحمه اللّه : وقد أخطأ في الجواب ، بل حقه أن يقال : تسأل عن المكان ، وقد كان ولامكان ، وهو يتعالى عن الوصف بالأمكنة ، بل هو على ما كان بلا تغيّر ولا زوال . والقول بالكون في العمل إخبار في المتعارف عن العمل الشاغل له الحابس فيه عن غيره ، واللّه يتعالى عن هذا الوصف . ثم أجاب من سأله : إنكم إذا نفيتم عن اللّه شبه خلقه ، وعن خلقه شبهه فقد شبّهتم ، فقال : ذلك نفي ، وليس في النفي تشبيه ، ألا ترى أن من قال مثله في السواد والبياض من أنه لا يشبه أحدهما الآخر ، إنه لا يوجب التشابه ، وإنما يكون ذلك في الإثبات . وما ذكره حسن ، ولو كان بذلك تشابه لكان بقوله هذا يشبه ذا إيجاب الخلاف ، وفي ذلك قلب الحقائق وإبطال المجاز كله ، وجملته أن النفي يرفع المنفي عن الوهم والعقل ، وإذا ارتفع ذلك لم يقدّراه ، والتشابه هو الواقع تحت قدر من جوهر أو صفة أو حدّ ؛ فلذلك بطل معناه . وبمثله يجاب لمن يزعم أنكم إذا لم تصفوا اللّه بمكان فقد حددتم ، وأن الحد هو نفاية المكان ، ومحال نفي تحديد في الوصف به ، وكذلك الأمكنة ، بل القائل بكل مكان ، أو بمكان دون مكان هو الذي حدّه ؛ إذ أثبته على ما أثبت المكان المضاف إليه مما يقدّره العقل والوهم ، وعند ذلك التحديد والتشبيه ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم أجاب لسؤال : كيف خلق اللّه الخلق ؟ إنه لو أراد به المعالجة في الفعل فهو غير جائز ، بل ابتدعه وأحدث عينه بلا علاج ، ولو أراد أي شيء خلق ، يشار إلى الجواهر من نحو السماء وغيرها إذ خلق الشيء زعم هو ذلك الشيء . ولو أراد به : لم خلق ؟ فلمنافع الخلق في دينهم وما هو أصلح لهم فيما كلفهم . وقال الفقيه رحمه اللّه : جواب هذا السؤال دفعه أن ليس لفعله كيف ؛ إذ كل ذي كيف هو ذو أمثال . ثم القول في كون خلق الشيء أنه هو أو غيره اختلاف : فمنهم من يقول : هو هو ، وبه يقول . والسؤال على مذهبه فاسد ؛ لأنه لا غير لخلقه فيمثل هو به . ومنهم من يقول : خلق الشيء فهو صفته التي وصف بها في الأزل ، فالسؤال عن كيفيته هو السؤال عن كيفية ذاته وعلمه وقدرته ، وذلك فاسد .