أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

93

التوحيد

فعورض بأول خلق خلقه لنفسه ، وليس ثمة مصلحة ، فزعم أنه ليس ثمة وقت ليقال فيه : لم لا خلق قبله ؟ وإنما ذلك متى يكون هو أوّل ، وهو أصلح في التدبير وأولى بالحكمة ، وما هو كذلك ، فيخرج السؤال على أنه : لم لا خلق دونه في الحكمة وحسن التدبير ؟ قال الشيخ رحمه اللّه : فما ذكرت من الوقت فهو ما يذكر ، على أن السؤال في مثله ساقط ؛ لأنه لا يشار إلى وقت ، وإلا لو كان الخلق قبل ذلك إلى ما لا يحتمل اللسان من عدد الأوقات ممكن ، وفي ذلك بطلان السؤال إلا عن قدمه ، وذلك تناقض ؛ لإحالة وقوع التكوين على الكائن في القدم ، ولا قوة إلّا باللّه . وما ذكر من الحكمة فذلك حق ، وما ذكر من الأصلح لا أدري ما أراد به ، وما قال من دونه أو مثله فالقول به لا معنى له ، وللّه تعالى أن يفعل الفعل الذي لا يخرج عن الحكمة ؛ إذ الخروج عنه يحقق السفه ، وذلك يسقط الربوبية . ثم في الحكمة طريقان : أحدهما العدل والثاني الفضل ، وليس لما يقدر اللّه من الأفضال نهاية ، فيتكلم في الشيء بأفضل ما يبلغه قوته من الفعل ، مع ما ليس عليه الأفضال يختص به من شاء . وغير جائز خروج فعله من الحكمة لما ذكرت ، وكذلك معنى العدل : إنه وضع كل شيء موضعه ، لكن له درجات : يوصف فعل بعضها إحسانا وأفضالا ، وفعل بعضها عدلا وحكمة ؛ إذ هما اسمان عامّان لكل ما للفاعل فعله ، والأول خاص من حيث كان له تركه فيفعله منعما محسنا ، ولا قوة إلّا باللّه . وسؤال القدرة على خلق شيء قبل هذا الخلق يخرج على ما بيناه في الوقت ، واللّه على كل شيء قدير . ثم عورض بما لم لا كان لم يزل يحدث الأشياء ؟ فأجاب بالذي تقدم ذكره من فساد كون شيء قبل شيء إلى ما لا نهاية له . قال الشيخ رحمه اللّه : وجواب هذا عندنا أن يقال : لو أردت بقولك لم يزل يحدث الأشياء ليكون هي لم يزل ، فذلك محال ؛ لما فيه إثبات قدمها ، وفي قدمها فساد إحداثها . وإن أردت به الإحداث ليكون كل شيء من ذلك لوقت كونه فذلك حق ؛ إذ هو بذاته خالق ، لا بغيره . ثم نذكر ما عارض محمد بن شبيب « 1 » من أسئلة الملحدين ، فعارض عن الواحد الذي يعبده ؛ ما هو ؟ وقد بينا ما يجاب له ، وهو زعم أن ذا يحتمل مثل ذا ، وقد بينا أن لا شبيه له ، ولا يحتمل ما يشار إليه ، ولم نكن نعرفه بالحواس فنشير إليه ، وما هو

--> ( 1 ) سبقت الإشارة إليه .