أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
9
التوحيد
[ العيان والأخبار والنظر هي السّبل الموصلة إلى العلم ] قال الشيخ أبو منصور رحمه اللّه : ثم السبيل التي يوصل بها إلى العلم بحقائق الأشياء العيان والأخبار والنظر . فالعيان ما يقع عليه الحواس ، وهو الأصل الذي لديه العلم الذي لا ضد له من الجهل . فمن قال بضدّه من الجهل فهو الذي يسمّى منكره كلّ سامع مكابرا تأبى طبيعة البهائم أن يكون ذلك رتبتها ؛ إذ كلّ منها يعلم ما به بقاؤها وفناؤها وما يتلذذ به ويتألم ، وصاحب هذا ينكر ذلك ، وأجمع أن لا يناظر مع من كان ذلك قوله ؛ إذ لا يثبت إنكاره ولا حضوره بنفسه ، والمناظرة في مائية الشيء أو هستيّته وهو لهما ، وللدفع جميعا دافع ، ولكنه يمازج فيقال له : تعلم بأنك تنفي ، فإن قال : لا ، بطل نفيه ، وإن قال : نعم ، أثبت نفيه ، فيصير بما يدفع دافعا لدفعه . ويؤلم بالألم الشديد من قطع الجوارح ليدع تعنته ، إذ نحن نعلم أنه يعلم العيان ؛ إذ هو علم الضرورة ، ولكنه بقوله متعنتا ، وحقّ مثله ما ذكرت ليجزع ويضجر فيقابل بتعنّت مثله ، فينهتك لديه ستره ، ولا قوة إلّا باللّه . قال الشيخ رحمه اللّه : والأخبار نوعان ، من أنكر جملته لحق بالفريق الأول ؛ لأنه أنكر إنكاره ؛ إذ إنكاره خبر ، فيصير منكرا - عند إنكاره - إنكاره - مع ما فيه جهل نسبه واسمه ومائيّته واسم جوهره واسم كل شيء ، فيجب به جهل محسوس وعجزه عن أن يخبر عن شيء عاينه إذا خبر به ، فكيف يبلغ هو إلى العلم بما يبلغه مما غاب عنه ، أو متى يعلم ما به معاشه وغذاؤه ، وكل ذلك يصل إليه بالخبر ، مع ما فيه الكفران بعظيم نعم اللّه عليه ، وبأصل ما حمد هو به ، وبما فضّل به على البهائم من النطق [ والفهم ] « 1 » بالسمع ، وذلك نهاية المكابرة . قال أبو منصور رحمه اللّه : ثم لا يوصل بهما إلى إدراك المحاسن والمساوئ التي لا يعمل العقول على الإحاطة بها إلا باستعمال الألسن بالتكلم بها وإدناء السمع إليها . وحق مناظرة هذا - وإن كانت مناظرته سفها - فيمازج أيضا ، فنقول له عند إنكاره الخبر : ما تقول ؟ فإن عاد إليه فاعلم أنه قبل خبرك حيث عاد إلى قوله وهو استعادتك الخبر ، وإن لم يعد إليه كفيت شرّه وحمدت اللّه وضحكت منه . ومثله لمن ينكر العيان ، تقول له : ما تقول ؟ فإن عاد إليه ظهر لك أنه يعلمه ،
--> ( 1 ) كلمة ساقطة في الأصل ولعلها ما أثبتناه في النص .