أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

10

التوحيد

ولكنه يتعنت ، وإن لم يعد إليه ، كفيت شرّه ، وشكرت اللّه تعالى على ما ألهمك ، أو تضربه وتؤلم ، فإنه لا يقدر أن يضجر أو يقابلك بالعتاب لما لا يحتمل ذلك إلا بتسمية فعلك ، وذلك يعرف بالخبر ، وقد أنكره ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم إذ قد لزم قبول الأخبار بضرورة العقل لزم قبول أخبار الرّسل ؛ إذ لا خبر أظهر صدقا من خبرهم بما معهم من الآيات الموضحة صدقهم ؛ إذ لا يوجد خبر يطمئن إليه القلب - ممّا بيّنا من المعارف التي يصير منكر ذلك متعنتا بضرورة العقل - أوضح صدقا من أخبار الرّسل صلوات اللّه عليهم ، فمن أنكر ذلك فهو أحقّ من يقضى عليه بالتعنّت والمكابرة . ثم الأخبار التي تنتهي إلينا من الرّسل تنتهي على ألسن من يحتمل منهم الغلط والكذب ؛ إذ ليس معهم دليل الصدق ولا برهان العصمة ، فحقّ مثله النظر فيه . فإن كان مثله مما لا يوجد كذبا قط فهو الذي من انتهى إليه مثله لزمه حق شهود القول ممّن اتّضح البرهان على عصمته ، وذلك وصف خبر المتواتر ، إنّ كلا منهم وإن لم يقم دليل على عصمته فإن الخبر منهم إذا بلغ ذلك الحد ظهر صدقه ، وثبتت عصمة مثله على الكذب ، وإن أمكن خلاف ذلك في كلّ على الإشارة . وهكذا القول فيما طريقه الاجتهاد ، وإن احتمل خطأ كلّ على الانفراد والغلط ، فإنهم لم يتفقوا بمن يوفّقهم لذلك ليظهر حقّه ؛ إذ الآراء لا تؤدي إليه بعد اختلاف الأهواء وتفرّق الهمم لذات ذي الرأي دون لطف العزيز الحميد الذي يملك إظهار حقّه وعصمة خلقه فيما شاء ، ولا قوة إلّا باللّه . وخبر آخر لا يبلغ هذا القدر في إيجاب العلم والشهادة بأنه الحق عن نبي الرحمة ، فيجب العمل به والتّرك بالاجتهاد والنظر في أحوال الرّواة ، والظاهر مما ظهر حقه ، وجوازه في السّمع الذي قد أحيط . ثم يعمل بما يغلب عليه الوجه وإن احتمل الغلط ، إذ ربما يعمل به في علم الحس - الذي هو أرفع طرق العلم - بضعف الحواس وببعد المحسوس ولطفه . على أن ترك العمل به ، والعمل جميعا ، لا يرجع فيه إلى الإحاطة ، وإلى أيهما مال كان في ذلك إعراض عن حق الخبر ، فلذلك لزم القول فيه بالاجتهاد بالوجهين ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الأصل في لزوم القول بعلم النظر وجوه : أحدهما الاضطرار إليه في علم الحس والخبر ، وذلك فيما يبعد من الحواس أو يلطف ، وفيما يرد من الخبر أنه في نوع ما يحتمل الغلط أو لا ، ثم آيات الرّسل وتمويهات السحرة وغيرهم في التمييز بينها ، وفي تعرّف الآيات بما يتأمل فيها من قوى البشر وأحوال الآتي بها ليظهر الحق بنوره والباطل بظلمته . وعلى ذلك دلّ اللّه بالذي ثبت بالأدلة المعجزة أنه منه ، من نحو القرآن الذي عجز الإنس والجن أن يأتوا بمثله ، مع الأمر به بقوله : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ [ فصلت : 53 ] إلى آخر السورة ، وقوله : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ [ الغاشية :