أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
89
التوحيد
فهم على اختلافهم أجمعوا على الواحد ، ونحو ذلك أنه ليس بذي شبيه ؛ إذ محال ذلك ؛ إذ لم يكن غيره فهو على ذلك ؛ إذ الوجه الذي فيه شبه وجود ما في غيره من الحدث ، وذلك بعيد ، وهذا معنى الواحد ؛ إنه إذ هو واحد في علوّه وجلاله ، وواحد الذات محال من أن يكون له في ذاته مثال ؛ إذ ذلك يسقط التوحيد ، وقد بيّناه ، وواحد الصفات يتعالى عن أن يشركه أحد في حقائق ما وصف به العلم والقدرة والتكوين ، بل كل وصف من ذلك لغيره به بعد أن لم يكن ، ومحال مماثلة الحديث القديم ، ولا قوة إلّا باللّه . قال أبو منصور رحمه اللّه : أعطى جميع البشر ممن له نظر التوحيد في الجملة ، ثم نقض كل فريق منهم ما أعطى في الجملة بالتفسير إلا فريق من أهل الإسلام لزموا ما أعطاهم الجميع . وذلك نحو من يقول من الدهرية بالباري وقدم الباري فجعل معه جميع الأعيان في الأزل ، وفي ذلك إبطال التوحيد . ومن يقول بالطينة والهيولى فيجعلهما واحدا ثم أتلفه وجعل ما لا يحصى منه على الانتقال والفناء . ومن يقول من الثنوية بالواحد العليم فهو يذهب إلى أنه واحد الجنس ، إذ يجعل جميع الخيرات أجزاء له ، وذلك قول المنانية « 1 » ونحوهم من الزنادقة والمجوس ، فأبطلوا معنى الواحد بالقول بالجسم ؛ إذ هو اسم ما يكثر منه . واليهود حققوا له شبه الخلق فيكثر به العدد حتى بلغ قولهم إلى حد إمكان الولد . والنصارى يقولون بالواحد في الكيان ، والثلاثة في القنومات ، منفي عن كل قنوم الجزء والحد ، ويقولون : كان غير مجسّم ثم تجسّم ، ومعلوم أن الجسم هو صورة تتجزأ وتتبعّض . وأصحاب الطبائع لم يوجبوا الطبائع لأنفسها تعمل حتى يكون من يجمع بينها ويفرّق ، وذلك أزلي عندهم . ومن منتحلي التوحيد المعتزلة ، يقولون بالأشياء في القدم ، واسم القدم يأخذ الأزل ، فمثله الأشياء ، فيبطل على قولهم التوحيد على ما بيّنا من قول الدهرية في قدم العالم ، مع ما كان اللّه عندهم غير خالق ولا رحمن ولا رحيم ثم صار كذلك ، يحدث الأشياء على ما قالت الثنوية من التباين بالذات ثم الامتزاج ، وعلى ما قال أصحاب
--> ( 1 ) المنانية : نسبة لمحمد بن إسحاق ماني بن فتق بن أبي برزام وهي من الفرق المبتدعة الضالة ( انظر معتقدات هذه الفرقة الضالة في الفهرست لابن النديم - مذاهب المنانية [ 1 / 456 ] ) .