أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
90
التوحيد
الهيولى والطينة إنه كان واحدا على جهة ثم صار على تلك الحال بما حدث من الحوادث . لكن قول أولئك ألزم بحق العقل من قول المعتزلة ؛ إذ هم ألزموا التغير بحوادث في الأصل ، وهؤلاء بحوادث في غيره ، ولا أحد يتغير في الشاهد عما عليه بما لا يحل به ، ولا قوة إلّا باللّه . وعلى هذا القول الحسين « 1 » والبرغوث « 2 » وغيرهما في هذا الثاني ، وهؤلاء أيضا ألزموا التغير بالمكان حيث قالوا : كان ولامكان ، ثم هو موصوف بكل مكان ، فألزموا الوصف بالمحدث ، فيبطل معنى التوحيد . والمشبهة يقولون له مثال في الخلق في الجسمية والحد والنهاية والحركات والسكون ، يحققون له ما به عرف حدث العالم ، ويجعلونه مثالا له ، جل اللّه عن ذلك . فحصل قول فريق بالتوحيد أنه واحديّ الذات ، إليه حاجات الآحاد ، متعال عن معنى الآحاد عما يوجب صفة الأعداد ويتمكن فيه صفة التغير والزوال أو الحدود والنهاية ، موصوف بالقدم والتكوين والقدرة جلّ وعزّ عن التغير والزوال ، والحمد للّه على كل حال . ثم رجع اختلاف الدهرية إلى ثلاثة ، إلى تباين ثم الاجتماع ، وذلك قول الزنادقة والثنوية ومن يقول بالنور والظلمة ، وإلى اجتماع ثم التباين ، وذلك قول من يقول بالطينة والهيولى مع الجهل بهما على القول بالقدم ، ويشبه أن يكون هذا قول أصحاب الطبائع ، على أنه لم يظهر ذلك من قولهم ، ثم بقدم التفرق أو الاجتماع ويرون ما عليه العالم عليهما ، وعلى ذلك قول من يقول بقدم الأعيان مع حوادث لا أول لها . وقول المفرّق بين الحالين ظاهر التناقض ؛ لأنه أوجب أحد الوجهين لنفسه من التباين أو الاجتماع ؛ إذ ذلك وصفه بالقدم ، ثم ذهب عنه ذلك من غير ذهاب نفسه ، فبطل ما كان عليه مع السبب الذي به كان ، وذلك وجود علّة إيجاد الشيء في حال ارتفاعه ، وذلك فاسد في العقل ، مع ما لو جاز ذا لجاز أن يصير القديم حديثا والحديث قديما ، وفي ذلك بطلان قولهم في القدم ، مع ما لو جاز وجود ما ثبت بنفسه زائلا وما زال بنفسه ثابتا لجاز وجود ما وجد بنفسه عديما ، وعدم ما عدم بنفسه موجودا ، وفي ذلك وجهان : أحدهما كون العالم بعد أن لم يكن ووجوده بعد العدم ، وفي ذلك فساد مذهبهم ووجوب القول بحدث العالم بلا أصل له ، ولا قوة إلّا باللّه . والثاني لو جاز أن يصير المجتمع بذاته متفرقا ، والمتفرق بذاته مجتمعا من غير
--> ( 1 ) سبق ذكره . ( 2 ) البرغوث : هو محمد بن عيسى الملقب برغوث مؤسس فرقة البرغوثية من فرق المعتزلة ( انظر الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي ) .