أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

88

التوحيد

ومن يقول بقدم الأعيان فوجدناها غير خالية عن الحوادث لمنع القول بذلك لوجوه : أحدها في القدم خلاء ، وفي ذلك تكذيب شهادة العيان . والثاني وجود كثير من الأعيان وابتداؤها لمدد تعد ، وهي من آخر الجملة تحتمل ما يحتمل الكل لذلك لزم القول ، ولم يجز أن يقال : كان كامنا فظهر أو متفرقا فاجتمع لما فيه إثبات غير حكم العيان ، وإذا احتمل ذلك ، وإن ارتفع عن الإحاطة به ، احتمل كون العالم من لا شيء ، وإن ارتفع وجوده عن توهم البشر بدليل ، والكمون لا يحتمل لإحالة كون شيء واحد مكانا لعشرة مثله ، ولا قوة إلّا باللّه . ولما لا يخلو العيان وصفته من صور ، ثم لا يخلو من مصوّر ، كسائر ما يحسّ ، أو صفته وهي لا تقوم بنفسها ولكن بمقيم ، فلا يحتمل العدم ، ولا قوة إلّا باللّه . مع ما كان كل شيء يعلم من نفسه عجزه وجهله بأحواله وما فيه صلاحه ، فيكون ذلك دليل الكلية ، وغير ذلك من الأدلة التي تقدم ذكرها . ثم وصف الصانع بالقدرة في الأزل والجود لازم ، وكذلك عندنا بالصنع ليكون كل على ما كان ، ويكون أبد الآبدين على ارتفاع القدم عن كل كائن به لأنه نوع الفناء ، وإحالة معنى التكوين عنه ؛ إذ هو الكون نفسه وعلى ما كان ما لا تخلو الأعيان من الحوادث التي طريقها القدرة والكرم ، ثم رجعت إلى الحوادث على ما يحتمل ذلك ، فمثله الأعيان ، ولا قوة إلّا باللّه . ولو كان الكل قديما لكان وصف القدرة والفعل يزول عنه في الحادث ، بل كان تكوينه أن يكون كل شيء على ما علم أن يكون ويريد بتكوين لم يزل به موصوفا ؛ إذ هو يتعالى عن الحوادث فيه بما يصير بمعنى العالم الذي دل إحاطة الأحداث به على حدثه ، فمثله الصانع ، واللّه الموفق . مسألة [ في طرق التوحيد ] قال الفقيه أبو منصور رحمه اللّه : ثم القول بالتوحيد من طرق : هو أن قول أهل الدهر على اختلافهم اتفق على واحد بادئ ، أو قدم طينة أو هيولى ، وهو واحد حتى اعترضت فيه الأعراض ، وتغيرت عن الحال الأولى . وقول الثنوية إن الحكيم الرحيم العليم واحد ، وإن معنى الآخر ليس هو بمعنى الربوبية بل هو ضد معناه ؛ إذ هو سفه كله وشر . وأهل الأديان يثبتون القدم للواحد حتى قال قوم بتجسّمه من بعد ، وقوم إن له ابنا .