أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

87

التوحيد

القول بكل ما لا تبلغه عقولنا بدرك الحكمة - بعد أن ثبت أنه منشئه ومحدثه - أن نعلم أن فيه حكمة بليغة لم يبلغها ، على ما لا يعلم أن كل حاسة من حواسنا جعلت لدرك ما تقع هي عليه ، وإن كانت تقصر ربما عن الإحاطة ، وتجئ حاسة أخرى فتحيط به ، فمثله العقل إذ هو مخلوق محدود لا يجاوز الحد الذي جعل له ، مع ما كان موجودا فيه قبح كل شيء يظهر حسنه وفساد شيء يظهر صلاحه ، فثبت أنه ربما يعتريه ما يمنع عن كنه ما يقع عليه من الحكمة والسفه . وبعد ، فإن تقدير جهة الحكمة ممن هو محتاج فقير يحبب إليه حاجته ويزين في عينيه فقره ويحسّن أشياء قبيحة بالعادة والإلف ، وكذلك أضدادها ، فإن من هذا وصفه من الإحاطة بحكمة الربوبية ، ولتلك الآفات أيضا عجز عن إنشاء فعل لا عن شيء ؛ إذ هو يتقلب بالجوارح ويستعمل الآلات ، فأنى يكون لمن ذلك محلّه في فعله بعد علمه أنه يعمل بقوة أحدثت وعلم أفيد هو التحكم بالعجز والجهل على من هو بذاته قادر عالم بالعجز عن مثله والجهل ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم عليهم في الفصل الأول أن يقال : أيا من النور والظلمة إذا آذته بالانتهاء عنه وينهاه عن ذلك ؟ فإن قال : لا أقرّ بسفهه ؛ إذ مثله فعل السفيه في الشاهد ، وإن قال : نعم ، كلفه ما لا يحتمل جوهره عنده ، فهو سفيه أيضا ، ولا قوة إلّا باللّه . وأما أصحاب الطبائع فإن الطابع مقهور لا يقدر على الامتناع عما طبع عليه ، بل يقدر غير كل ذي طبع أن يمنع إياه عن توليده ، فثبت أن عمله لغيره ما يعمل ؛ إذ قد يمنع بغيره عن العمل ، ولو كان بنفسه يعمل ذلك ما احتمل ما دامت نفسه ، مع ما إذ كان لا يمتنع من عمل ثبت أنه مقهور تحت قاهر عليم . ثم كل ذي طبع لا يعمل في شيء بطبعه إلا أن يكون الآخر مجعولا بحيث يقبل ذلك ، نحو الشيء الذي يتأذى لا يؤذيه الفعل الذي في غيره مؤذ ، وكذلك المؤلم والملذّ ، وكذلك الأصباغ . وليس عمل الطبع أن يجعل شيئا يقبل طبعه ويتأثر به ، فثبت به كون غير الطبائع . مع ما لو خلّي بين ذي الطبع وعمله لكان لا يؤلف ولا يصور ، فدل وجودها على غير ذلك : أنّ لها منشئا . وبعد ، فإنه لو خلّي بين الأصباغ وانصباغ الأشياء بها ليخرج فاسدا مسمما وإنما يصلح ذلك لحكيم عليم يضع كل شيء موضعه ، فمثله أمر الطبائع ، وهو في شأن الطبائع أحق ؛ إذ هي تتنافر وفيها التباعد ، أو يقدح في الأشياء بلا حد ، وفيه الفساد ، فدل الاتساق وقيام الأعيان بها على عليم قاهر جمع بينها وقهرها معا ، مع ما كان لكل مجتمع الطبائع حامل يحملها ليس هو لهن ، فثبت بالضرورة وجودهن ، وقد مضى من هذا النوع ما فيه مقنع . وقد نجد الحرارة ترتفع بطبعها والبرودة تنحدر ، وقد يجتمعان في جسم ، فثبت أن ذلك لمدبر قاهر عليم .