أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
83
التوحيد
اختلاف الفرق في العالم نبتدأ الحمد للّه العلي الحميد ، ونتوجه إليه بالشكر له والتمجيد على ما أيّدنا به من التّسديد ، ونرغب إليه في العون على ما قصدنا له والتأييد ، فإنه على كل شيء شهيد ، ونسأله أن يصلي على محمد ، أفضل ما صلى على أحد من خيار خلقه ، وأن يعطيه سؤله ، وأن يلحقنا به بجوده ، فإنه غني كريم . قال الفقيه أبو منصور رحمه اللّه : أما بعد ، فإني تأملت وجه اختلاف البشر في العالم بعد ظهور آيات حدثه ، وأدلة جري تدبير غيره عليه ؛ إذ ما من شيء من جوهر العالم وأركانه إلا وهو بجوهره يشهد بأنه مدبّر مفطور ، وأنه مضطر إلى عليم بأحواله ، غنيّ بملك حوائجه ، حكيم يضع كل شيء موضعه ؛ لئلا يتناقض فيتبدّد ، وأنه لا يحتمل بجوهره أن يرجع إلى عدد من المدبّرين ، بما لديه تمكّن الاختلاف الذي عنده يريد كلّ أن يظهر سلطانه ، ويغلب ملكه ، ويقهر كل من نازعه ، وفي ذلك التفاني والفساد ، اللهمّ إلا أن يكون لواحد منهم فضل قوة أو نصر يخضع له الجميع ، فيصير كل خاضعا له ذليلا ، بمعنى كل جوهر من جواهر العالم في خروجه على مشيئة غيره وجريه عليه سلطانه ، وهو المعنى الذي هو دليل مدبّر العالم عليم حكيم ليقوم به هو ، ويتم ويخرج من العدم إلى الوجود ، إذ الأعجوبة في ابتداء كونه إلى من يعلم كيفية إنشاء الأشياء ليست بدون الأعجوبة في دوامه وقيامه على ما هو عليه ، بل كانت أظهر ، والحاجة في ذلك إلى غيره أعظم ؛ إذ هو عن تدبير نفسه أعجز ، وأسباب آجاله له به أعظم ، مع ما في كل براهين كونه بعد أن لم يكن أبين ، إذ كل ذي عقل وبصر لعلّه يذكر ابتداءه أو تقلبه من أحوال تقدمت من الصغر واللطافة ، مما إذا لم يجعل لتلك الجملة ابتداء يبطل كونه . ثم احتمال كل الوهن والضعف إلى أن يتلاشى ويبطل مما يضطره إلى العلم بكونه بعد أن لم يكن . وإن كان ذا أمر من يملك التدبير ويعلم بالأحوال فالموات هو التي تحت تدبير الأحياء ينتفعون به من حيث لا يشعر بذلك أحق بذلك . ثم دل كون الأموات على ما للأحياء بها الاستمتاع على أن الذي دبرها هو الذي دبر الأحياء ، إذ جعلها مستمتعا لهم ، بها صلاحهم . فرأيت الشّبهة اعترضت البشر - من بعد ما بيّنا مما يجب أن يكون به دفع الشبهة لمن تصح - من أوجه ثلاثة : أحدها التقليد بمن ألفت نفسه به ومالت إليه ، فترك التفكّر في الأدلة ، وأقبل على أماني النفس ، ثقة بهم أو رغبة في صحبتهم والوصول بهم إلى شهوات النفس ، أو اتهاما لآرائهم أن تهيّئ بهم إلى رشد أو إنعامهم وغيره من