أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

84

التوحيد

أسباب الشقاء حتى يبلغ بهم العياذ بشره النفس وسوء عاداتها . والثاني نظر إلى الوجود مما يقع تحت الحواس فوجده يتقلب من حال إلى حال بالمواد والأغذية ، وتولد بعض عن بعض ، وظنوا أن كون الأشياء لا عن شيء ، والفروع لا عن أصل محال وجوده ؛ لأنهم لم يعاينوا ذلك ، والشاهد عندهم هو دليل الغائب . ثم تفرقوا : فمنهم من يقول : على هذا أمر العالم في الأزل ، لكنهم اختلفوا : فمنهم من يجعله كذلك على ما بيّنا ، من غير أن يكون له صنع ، وعلى هذا يخرج مذهب أصحاب الطبائع : إنّ التفاوت والاختلاف على اختلاف الطبائع وتفاصيلها ، وسمّاها قوم هيولى ، والتفاوت في الذي ذكرت على مثال الأصباغ : إنها تخرج على ألوان مختلفة بتفاوت المزاج واعتداله ، وعلى ذلك جعلوا جوهر البشر من اعتدال الطبائع ، والدّواب من اضطرابه ، وعلى هذا كل شيء . ومنهم من يرى أصله الأربع من الطبائع ، ولكن لكل جوهر أصلا ، والطبائع دخيلة فيها . ومنهم من يجعله كذلك بالطبائع ويقول : هو واحد ، ويجعله علة لكون العالم ، فيوجب قدمه بوجوده ، ويذهب في إثبات الصانع إلى اتساق الأشياء وإتقانها ؛ إذ ذلك لا يكون إلا بمدبر عليم ، إذ الطبع لا يرجع إلى قدرة ، وبه صلاح الأشياء ، فقالوا بالصانع ، ثم إذ هو كان في الأزل فأوجبوا كون العالم في الأزل على نحو اقتران الأشياء بعللها ، على أنه إذ كان العالم مواهبه ونعمه ، وأنه قادر بذاته ، فثبت وجوده وكرمه بذاته ، فيلزم كون الذي كرمه يوجبه ، وقدرته توجده ، ولا قوة إلّا باللّه . ومنهم من يقول : هذا العالم كان عن أصل حدثت الصّنعة فيه ، لكنهم اختلفوا : فمنهم من يجعل أصله طينة ، أحدث الباري منها هذا العالم . وقوم يجعلونه النجوم والشمس بما كنّ يجرين دائبات ، وبجريهن نشوء العالم ، ويجعلون للجري ابتداء بإحالة كون شيء بشيء إلى ما لا أول له . ومنهم من يجعلها تعترض فيها الأعراض ، فمن ذلك تولّد العالم ، يسمونه من قبل هيولى ، ويصفونه على ما يصف أهل التوحيد الصانع ، ثم أبطلوا ذلك باحتمال قبول الأعراض وتغيّره من حال إلى حال . ومنهم من يقول : أصله اثنان : نور وظلمة ، من النور كل خير ونفع ، ومن الظلمة كل شر وضار ، لكن منهم من يقول : كانا متباينين فامتزجا ، على ما مرّ بيانه . وعلى قول أصحاب الهيولى والطينة يجب أن يكونا واحدا فتفرقا ؛ إذ هو الأصل ، فصارا أصلا للشر والخير ، فبالتفريق عمل كلّ عمله على أن عامة هؤلاء يجعلون كون العالم بالطبيعة لا بالفعل . والثالث : الاعتبار بالمعاني ، فقالوا : إنا نجد العالم اشتمل على نفع وضر ، وعلى خير وشر ، ثم في العرف أن فاعل الخير محمود ، ومن ينفع غيره رحيم حكيم ،