أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
76
التوحيد
إخلاء الخلق عن معرفة ذلك ، فيصير خلقه عبثا ، ولما في رفع الكلفة زوال الخلقة ، إذ حصلت للفناء ، وكلّ بان شيئا للنقض لا غير فهو عابث غير حكيم . ثم الوعد والوعيد للترغيب والترهيب ، إذ لولا ذلك يذهب نفع الائتمار وضرر العصيان ، ولم يكن لمن خلق في فعلهم نفع ، فإذا لم يكن للمؤتمر نفع ولا للعاصي ضرر يبطل معنى الأمر والنهي ، إذ ليس لنفع الآمر والناهي ، فلذلك لزم الوعد والوعيد في الحكمة . مع ما في الأمر والنهي مجاهدة النفس وحملها على ما يكرهه الطبع ، والذي يكرهه تنفر عنه النفس فلا يجد الممتحن على قهره وصرفه إلى ما يريده ويؤمر به سبيلا إلا إحضار الوعد والوعيد ، حتى إذا رأى ذلك سهل عليه ترك الملاذّ ، وهان عليه تحمل المؤن العظام . وبعد ، فإن البشر خلق خلقا قبح عليه فعل الذي لا يقصد به نفع العواقب ، أو لا تتقي به ضرر العواقب ، فلا بد أن يجعل لأعماله ذلك ، وذلك حق الوعد والوعيد ، ولولا ذلك لكان يستوي عواقب العدو والوليّ ، وعلى ما تفاوتا هما بحيث الاختيار والإيثار ، يجب تفاوت عواقبهما ، وباللّه التوفيق . وقد أمكن أن نجعل الثواب كله فضلا إذ قد سبق من اللّه من النعم ما استحق الشكر عليه بعامة ما احتمل الوسع ، فيكون الثواب فضلا من اللّه . ثم كذلك المضاعفة في ذلك كقوله تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [ الأنعام : 160 ] ، فذكر في السيئة ما توجبه الحكمة من الجزاء وضاعف في الثواب على ما تحتمله الأفضال ، إذ ذلك أصله ، ولا قوة إلّا باللّه . فهذا فيما احتمله عقولنا مما يلزم الأمر والنهي ، ومع ما كان فيما جاء بهما الرسل عن اللّه دليل كاف يلزم القول بعظم الحكمة فيهما لو قصرت عقولنا عن الوقوف على ذلك ، مع ما في العقل إذا ترك استعماله كسائر الجوارح لم يحتمل تعطيلها عن المنافع التي هي سببها ، فمثله العقل ، مع ما كان الذي ذكرت في سائر الجوارح هو حق الفعل أيضا وإشارته ، ولا قوة إلّا باللّه . مسألة في التوحيد [ وجه المعرفة في قولهم : من عرف نفسه عرف ربه ] فإن قال قائل : أجمع أن « من عرف نفسه عرف ربه » ، لكنهم اختلفوا في وجه المعرفة : فقالت الثنوية : لما عرف اشتمال نفسه على الخير والشر عرف أن لكل جهة منه ربّا . واليهود صيّرته واحد جزء . وقالت المشبّهة : هو جسم ؛ إذ في الشاهد تكون معرفة النفس للجسم .