أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
77
التوحيد
وقال جهم « 1 » : إذ عرف أنه كان بعد أن لم يكن ، وهو شيء ، جسم ، عالم سميع بصير ، علم أن كل ما كان له ذلك الاسم فهو حدث ، وربّه الذي أنشأه لا يحتمل أن يكون حدثا . وعندنا : أن من عرف نفسه عرف ربّه ؛ لما يعرفها بالجهل مما احتملته هي من السمع والبصر وغيرهما من الأعراض ، وكذلك بإصلاح ما فسد منها ، وبقدر ما تأخذ هي من الزمان والمكان ، وبأنواع حاجات ترد عليها لا يعرف مأتاها ولا حقيقة ما به زوالها ، فهذا شأنه ، مع ما يشهد زوالها بما شهد من نفسه ، فعلمه بما مضى من أحوالها من أول ما كانت إلى الحال التي هو فيها - مع العلم فيما يختلف عليها من الأحوال إلى وقت قيامها منه - أبعد ، وعن تصوّر ذلك في وهمه أعسر ، وعن احتمال إحاطة عقله به أعجز ، علم بضرورة أنه لم يدبر أمر نفسه على ما هي عليها ، بل لو كان الأمر إليه لدبرها على ما يعلم جميع ذلك ، إذ لو كانت ثمة قدرة على شيء من ذلك لم يكن ليدفع إلى الجهل الذي ثبت ، ثم إلى العجز فيما أخبرت من دفع الحاجات عن نفسه ، وإصلاح ما فسد منها ، فيعلم عند ذلك ، إذ هو أملك الخلائق تدبيرا فيما يحس ، وأعلاهم إدراكا لحقائق ما يلقى ، وأسرعهم وقوفا على ما يعلم ويذكر من الأمور ، فيعلم خروجه من تدبير نفسه في التكوين والإفناء والإبقاء ، ثم من إبداء جميع المحسوسين ، إذ هم تحت تدبيره كالمتحيّرين في حوائجه ، ويعلم بأن مثله على ما عليه من الاحتمال والوقوف على الأمور والإدراك للأسباب لا يكون إلا بمن هو خارج من جميع المعاني التي عليها نفسه ، وفيها تقلّبها ، فيعلم أنه بقادر لا يعجز ، وعالم لا يجهل ، وجبّار لا ينازع في تدبيره ، فيعرف أنه جلّ وعلا لا يشبهه شيء من ذلك ، ولا معنى ؛ إذ من الوجه الذي يشبهه يوجب ما أوجب فيه من حدث أو قدم ، أو تدبير غير فيه ، وكذلك جميع الأشياء ؛ إذ بينها موافقة في الحاجات وأنواع العجز والصنف ، ثم في الحدثيّة من كل الوجوه . فيجب بهذا أن يعرف أنه خلاف له بكل الجهات ، والجهات له لا لمدبّره ، فيكون في ذلك تعريف الرّب بما هو أهّله ، ولا قوة إلّا باللّه . وعلى هذا يبطل قول جهم : إنه لم يكن عالما قادرا ثم صار كذلك ، وقول من يقول : لم يكن فاعلا متكلما ثم صار كذلك ؛ إذ مكّنوا فيه تغيّر الجهات والأحوال التي هي سبب معرفة العبد نفسه خلقا وحدثا ، ولا قوة إلّا باللّه . وبما ذكرت من إمكان قبول الأحوال اختيارا ، واحتماله الصفات العليّة من نحو
--> ( 1 ) جهم : هو جهم بن صفوان مؤسس فرقة الجهمية وهي من الفرق المبتدعة القائلة بأن لا قدرة للعبد أصلا لا مؤثرة ولا كاسبة بل هو بمنزلة الجمادات ، وأن الجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما حتى لا يبقى موجود سوى اللّه تعالى .