أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

75

التوحيد

وحجّة ، ثم عبرة وعظمة ، ثم نعمة ورحمة ، ثم غذاء وقوام ، ومتصرّفا في الحوائج ، ومنه ما خلق نعمة لأحد بليّة على آخر . قال : ولو خلق ابتداء الخلق للمصالح والمنافع لا غير لم يكن يجوز تقديم شيء ولا تأخيره ، ولا خلق شيء قبل خلق الممتحن ، ولا قلب أمرا من حال إلى حال ، ولا زيادة ولا نقصان ، وإذ خلق اللّه من الخلائق ما لا يحيط بهم الأوهام واستترت عن نصرة الأنام ، ثبت أن الأمر ليس على ذلك ، لكنه في وضع الأشياء موضعها ، وصرف الأمور من النفع إلى الضرر ، والضرر إلى النفع ، ولا قوة إلّا باللّه . قال الفقيه رحمه اللّه : وجملة هذا الفصل أنه على قولهم إذ لم يكن له غير الذي فعل لم يكن شيء من فعله مفضلا ؛ إذ هو أبقى بكل فعله صفة الجور ، ولا كان لما يفعله مختارا له ، إذ لو كان منه غير ذلك كان مفسدا ، وكان عن جعل الإصلاح في غيره عاجزا ، وذلك هو النهاية من صفة الذمّ ، واللّه الموفق . ولو كان لا يجوز له غير الذي فعل لكان بفعله منتفعا ، ويصير هو إليه محتاجا ليحمد به ويثنى عليه ، إذ من لا يستحق حمدا ولا مدحا إلا بغيره فهو إليه محتاج في أن يحقّ له الثناء ، وبه منتفع ، إذ من قولهم : إن فعله غيره ، ولم يكن له تركه ، ولا غير الذي فعله ، إذ غيره يحط رتبته ويسفهه ، فثبت بما فعل النفع ، وهو غيره عندهم ، وهذه صفة الحاجة في عرف العقول ، ولا قوة إلا باللّه . ثم القول بالأمر والنهي والترغيب والترهيب ، مع ما يقدّم منه الكافي من ذلك الذي ذكره الحسين : أن اللّه خلق خلقا مذلّلا بالتأديب ، عارفا بالنفع والضرّ ، مستدلا بالذي شهد من الحجة على الذي غاب ، لم يجز أن لا يفرض المعرفة ، ولا يحضر عليه الجهل ، فيكون فيه إباحة الكذب وكل ذميم . مع ما كان لمن خلقه نعم عليه في الخلقة ، وشكر النعمة لازم في العقل ، فاستاداه . ثم الوعد والوعيد في الترغيب بتعظيمه ، والترحيب عن الاستخفاف به ، ثم إذ كرّمه بفنون كل الكرم فعلى ذلك ثوابه لا أمد له ، وإذ كان الكفر غاية في العصيان فكذلك عقوبته . وأيضا أن الإيمان تصديق بما لا نهاية له ولا نفاذ ، والكفر تكذيب بما لا نهاية له ولا نفاذ ، فعلى ذلك جزاؤهما ، ولهذا يجوز العفو عما دون الكفر لأنه ليس بجحد لما لا نهاية له ، ولا قوة إلّا باللّه . قال أبو منصور رحمه اللّه : ودليل الأمر عندنا والنهي معرفة الآمر والناهي إذ خصّ اللّه البشر من بين البهائم في تعرّف ذلك ، لم يحتمل إهمالهم عن ذلك ، كما لا يحتمل شيء مما فيه النفع إهماله عنه ، وبما في العقل حسن كل حسن وقبح كل قبيح ، ثم في الفعل يقبح فعل القبيح ، ويحسن فعل الحسن ، فلزم الأمر والنهي لما كان ما به الأمر والنهي ، ولأنّ اللّه خلق خلقا يدل على وحدانيته وحكمته ، فلم يجز