أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

74

التوحيد

عن اللّم محال كالسؤال عن لم قدر ؟ ولم علم ؟ ولا قوة إلّا باللّه . وقال قوم : إذ هو جواد كريم لزم الوصف بإفاضته الجود ، فلا بد من خلق يكون بخلقه واهبا مفيضا جوده عليه ، وهو قادر ، وقدرة لا تحقق الفعل البتّة ضائعة ؛ فلذلك خلق ، وباللّه التوفيق . وقال قوم : السؤال محال ؛ لما يوجب تقدّم علّة لما يخلق ، والعلّة إما أن يكون خلقا ، فالسؤال عنها هو السؤال عن جملة ، أو لا يكون ، فيكون غير إله في الأزل ، بل خلق بأن فعل الخلق بذاته على ما مرّ بيانه ، واللّه الموفق . وقال قوم : السؤال لا يعدو معان : إما أن نقول : لم خلق هذا العالم دون أن يخلق غيره ؟ فيكون هذا السؤال فيه كهو في هذا ، وكذلك في قوله : لم لا خلق الخلق ليكون قبل الوقت الذي كان ؟ على أن الخلق ليس هو غير الوقت ، بل هو إخبار عن كونه ، يصير كونه وقتا ، ولا قوة إلّا باللّه . أو يسأل عن حقيقة هذا العالم ، فيكون سؤاله منه ، فكأنه قال : لم أسأل ؟ ولم عقلت أن أسأل ؟ ولم لا كنت غير عاقل ؟ وذلك فاسد ؛ لأنه في منع نفسه عن السؤال ، وباللّه التوفيق . وقال قوم : خلق العالم لعلل يكون منها وفيها وما بعدها ، وذلك هو المعقول من جميع الحكماء أنه لمقاصد يعقب الصنيع ، وكذا كل فاعل لا يعلم عواقب فعله أنه لما ذا يفعله فهو غير حكيم . ثم اختلف في المعنى الذي له خلق : من يقول : خلق جلّ العالم للممتحن فيه ؛ إذ ظهور الحكمة فيهم ، وكذلك فيهم يظهر العلوّ والسلطان والجلال والرفعة ، وبهم تظهر الحكمة والسّفه ، فهم المقصودون من الخلق ، وغيرهم من الخلائق خلقوا لهم ، لمنافع لهم ، وللامتحان بها ، وللدلالة ، وسخروا لهم ، والممتحنون خلقوا للعبادة ، أو لأنفسهم ليسعوا لعواقب يحمدون عليها ويذمون ، إليهم يقع ذلك ، وضرورة جلّ خالقهم عن الوجهين ؛ إذ هم الذين خلقوا محتاجين ، ركّب فيهم ما عرفوا به حوائجهم وما يقومون في قضائها ، ولا قوة إلّا باللّه . وقال قوم : لم يخلق الكل لعلّة ؛ لأنه ليس وراء الكل شيء يكون ذلك علّة ، وخلق البعض لعلّة ، وذلك كما لم يخلق الكل في مكان ؛ لأن المكان في الكل ، وخلق بعضا لبعض ، وعلى هذا الأمر التوالد ثم الجزاء والمحنة ، وباللّه التوفيق . وقال الحسين « 1 » في جواب هذا السؤال : إنه خلق لأسباب يكثر منها دلالة

--> ( 1 ) الحسين : هو الحسين بن محمد النجار الرازي تنسب إليه فرقة النجارية وهي من الفرق المبتدعة انشعبت منها فرق أخرى انفرد الحسين النجار في أصول ووافق كلا من أهل السنة والمعتزلة في أصول وانشق عنه بعض أصحابه في أصول توفي سنة 239 ه .