أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
57
التوحيد
أن البشر خلق اليوم السابع فيه التمام والعلوّ ؛ إذ خلق لهم كل شيء ، وهم لعبادة اللّه ، ولحق بهم الجنّ بقوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] ، لكن المقصود البشر إذ تسخير ما ذكرت كله لهم ، ثم بما يرجع إلى منافعهم ، واللّه الموفق . قال أبو منصور رحمه اللّه : وأما الأصل عندنا في ذلك أن اللّه تعالى قال : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، فنفى عن نفسه شبه خلقه ، وقد بيّنا أنه في فعله وصفته متعال عن الأشباه ، فيجب القول بالرحمن على العرش استوى على ما جاء به التنزيل ، وثبت ذلك في العقل ، ثم لا نقطع تأويله على شيء لاحتماله غيره مما ذكرنا ، واحتماله أيضا ما لم يبلغنا مما يعلم أنه غير محتمل شبه الخلق ، ونؤمن بما أراد اللّه به ، وكذلك في كل أمر ثبت التنزيل فيه نحو الرؤية وغير ذلك ، يجب نفي الشبه عنه والإيمان بما أراده من غير تحقيق على شيء دون شيء ، واللّه الموفق . الأصل في هذا أنّ الأمر يضيق على السامع بما يقدّره من المفهوم عن الخلق في الوجود ، وإذ لزم القول في اللّه بالتعالي عن الأشباه ذاتا وفعلا ، لم يجز أن يفهم من الإضافة إليه المفهوم من غيره في الوجود ، مع ما كان الوقوف على المعنى يصرف إليه الكلام في الخلق بما هو علمه به قبل سمع ذلك الكلام ، واللّه سبحانه عرف قبل سمع ذلك الكلام على غير الذي عرف عليه الخلق ، لم يجز صرف التأويل إلى ما فهمه من الخلق ؛ إذ سببه العلم المتقدم منه ، على احتمال ذلك المعنى معنى قد يفهم من الشاهد من " على " ومن " العرش " ومن " الاستواء " معان مختلفة ، لم يجز صرف ذلك إلى أوحش وجه ، وثمة لأحسن ذلك مساغ مع ما كان اللّه يمتحن بالوقوف في أشياء كما جاء من نعوت الوعد والوعيد ، وما جاء من الحروف المقطعة ، وغير ذلك مما يؤمن المرء أن يكون ذا مما المحنة فيه الوقف لا القطع ، واللّه أعلم . وقال الكعبي مرّة : لا يجوز أن يكون اللّه عز وجل يحويه مكان ؛ لما كان ومكان ، لم يجز أن يحدث له حاجة إلى المكان إذ خلقه ؛ لما لا يجوز عليه التغيّر . ثم قال : هو في كل مكان على معنى أنه عالم به ، حافظ له كما يقال : فلان في بناء الدار أي في فعله . قال أبو منصور رحمه اللّه : فما قال بأنه لا يحويه مكان - بما كان ولامكان - حق ؛ إذ ذلك تغيّر . والقول بالحاجة لا يقوله خصمه فتعليق الدفع به خطأ . ثم هو يزعم أنه كان غير خالق ولا رحمن ولا متكلم ثم صار كذلك بعد أن لم يكن ثبت به التغيّر ، بل التغيّر في المكان من حيث أن يصير المرء في مكان لم يكن فيه بلا تغيّر نحو أن يتخذ له مكان يحيط به ، ولا يجوز أن يوجد تغيّر من حيث لا تغيّر في ذات الفاعل في الشاهد ، وإذ منع القول بهذا في المكان فهو في الفعل أولى ؛ إذ يكون التغيّر فيه أشدّ وأولى ، مع ما لا يكون أحد في الشاهد فاعلا بلا تغيّر يعترضه ، وجائز