أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
58
التوحيد
كونه في مكان ، وهو الذي فيه خلق لا تغيّر ؛ لذلك كان معنى التغيّر في الفعل أشد ، واللّه الموفق . ثم العجب في قوله : هو في كل مكان بمعنى العالم ، والعالم اسم ذاته ، وهو بذاته عنده ليس في مكان ، ولا تحقّق للّه علما ليبلغ المكان الذي قال : هو فيه . تأملوا لتفهموا تناقضه في القول . ثم زعم أنه يحفظه مرة ، ومرة أنه يفعله ، وحفظه وفعله في الأمكنة ليس غير الأمكنة ، فصار حاصل قوله : اللّه في كل مكان في الأمكنة ، وذلك خلف من القول ، بل هو عالم بالأمكنة كلها قبل كونها وبعد كونها ، واللّه الموفق . [ توجيه رفع الأيدي إلى السماء ] قال الفقيه أبو منصور رحمه اللّه : وأما رفع الأيدي إلى السماء فعلى العبادة ، وللّه أن يتعبّد عباده بما شاء ، ويوجههم إلى حيث شاء ، وإن ظنّ من يظنّ أنّ رفع الأبصار إلى السماء لأنّ اللّه من ذلك الوجه إنما هو كظن من يزعم أنه إلى جهة أسفل الأرض ؛ بما يضع عليها وجهه متوجها في الصلاة ونحوها ، وكظن من يزعم أنه في شرق الأرض وغربها بما يتوجه إلى ذلك في الصلاة ، أو نحو مكة لخروجه إلى الحج ، وفي المشاعر بالسعي فيها ضالة أو ناحية العدوّ ويقصدون قصد من يغلب على شيء يستنفد منه ، جلّ اللّه عن ذلك . ثم اللّه سبحانه إذ ليس وجه أقرب إليه من وجه ، ولا أحقّ أن يعلمه من وجه ، ولا في وسع الخلق وجه الوصول إليه من وجه دون وجه ، ولا طمع العقول بما هو عالم بذاته غنيّ عن عبادة خلقه ، فعبدهم لأنفسهم أن يقوموا بشكر نعمه ، له المحنة كيف شاء ، لا يسبق إلى وهم أحد الوصول إليه في جهة دون جهة ، إلا من يعرف اللّه حق المعرفة . وقد بيّنا فيما تقدم وصف قربه ، وذلك بالإجابة كقوله تعالى : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [ البقرة : 186 ] ، وبالنّصر والمعونة كقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [ النحل : 128 ] ، وبالتقرّب إلى المنزلة والمحل كقوله تعالى : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [ العلق : 19 ] ، وما روي : أنّ من تقرّب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا « 1 » ، إلى آخر ذلك ، وقوله : وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [ المائدة : 35 ] ، وفي الكلاءة والحفظ كقوله : وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [ سبإ : 21 ] ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ
--> ( 1 ) انظر نصه في صحيح البخاري ، باب ما يذكر في الذات والنعوت . . ، حديث رقم ( 6970 ) [ 6 / 2694 ] وفي صحيح مسلم ، كتاب الذكر والدعاء . . ، حديث رقم ( 2675 ) [ 2061 ] والحديث رواه غير البخاري ومسلم .