أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
56
التوحيد
أنه بكل ما سمّي به ووصف كان ذلك له بذاته لا بشيء من خلقه ، وكذلك عزّه وشرفه ومجده ، جلّ ثناؤه عن الأشباه ، ولا إله غيره . وقال بعضهم : يريد بالعرش الملك ؛ إذ هو اسم ما ارتفع من الأشياء وعلا حتى سمي به السطوح ورؤوس الأشجار . والاستواء قيل فيه بأوجه ثلاثة : أحدها الاستيلاء ، كما يقال : استوى فلان على كورة كذا بمعنى استولى عليها ، والثاني العلوّ والارتفاع كقوله : فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ [ المؤمنون : 28 ] ، والثالث التمام كقوله تعالى : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى [ القصص : 14 ] ، وقد قيل بالقصد ، إلى ذلك وجّه بعض أهل الأدب قوله : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [ فصلت : 11 ] بمعنى خلق على التمثيل بفعل الخلق فيما يتلو فعلهم أن يكون بالقصد ، وإن كان لا يقال : له قصد ، ولا قوة إلّا باللّه . قال الشاعر : ظننت أن عرشك لا يزول ولا يغير . وقال آخر : إذا ما بنو مروان ثلّت عروشهم * وأودوا كما أودت اياد وحمير وقال النابغة : عروش تفانوا بعد عزّ وأنّهم * هووا بعد ما نالوا السلامة والغنى وقال آخر : بعد ابن جفنة وابن ماثل عرشه * والحاربين تؤمّلون فلاحا قال أبو منصور رحمه اللّه : ثم الوجه في ذلك لو كان على الاستيلاء ، والعرش الملك ، إنه مستول على جميع خلقه ، وعلى هذا التأويل المحمول غير هذا ، يدل على الأمرين قوله تعالى : وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [ التوبة : 129 ] بمعنى الملك العظيم ، وفيه إثبات عروش غيره ، فذلك يحتمل ما يحمل ويحفّ به الملائكة ، واللّه الموفق . وأما على التّمام والعلوّ فهو أن اللّه تعالى قال : قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [ فصلت : 9 ] إلى قوله : فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [ فصلت : 12 ] فأخبر بخلق ما ذكر في ستة أيام على التفاريق ، ثم أجملها في موضع فقال : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [ يونس : 3 ] بمعنى خلق الممتحن من خلق الأرض والسماوات فبهم ظهر تمام الملك وعلا وارتفع ، إذ هم المقصودون من خلق ما بيّنا ، فبذلك تمّ معنى الملك وعلا إذا وصل إلى الذين لهم . وقد قيل ذا في خلق البشر خاصة بقوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ [ البقرة : 29 ] ، وقوله : وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ [ إبراهيم : 33 ] ، وقوله : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ الجاثية : 13 ] . وذكر ابن عباس رضي اللّه عنه