أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

50

التوحيد

وبعد ، لو خلّي بين أعقل الخلق وأعظمهم تدبيرا وبين تقدير أحواله وأفعاله من الزمان والمكان فيما لطف منها لما احتمل وسعهم ، فمن دونه أحقّ . ثم لا يملك أحد منهم صرف قهر الزمان عن نفسه ولا إحاطة المكان ، ثبت أن العالم على ما هو عليه لا يجوز كونه به دون خارج من معناه في إحاطة الحاجة به بل بالقيام بذاته عالما قادرا ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم من يقول بقدم طينة العالم ، فأما إن كانت من جوهر هذه المعاني فيلحقها ما يلحق العالم ويظهر جوهرها عجزها وحاجاتها ، وهما دليلا حدث العالم وكونه بغيره ، فيلزم فيها ما يلزم في غيرها ، أو كانت خارجة من هذا الجوهر غنية قوية لا تمسها الحاجات ولا يعترضها الشهوات الباعثة على الحيل المفزعة إلى غير به تأمل غناها وقوتها ، فأمّا إن كان العالم بها بأن اعترضت بها العوارض وانقلبت بجوهرها عما كانت عليه فصارت إلى هذه الحاجات والشهوات ، فصارت بجوهرها محتملة لكل حاجة ، محتملة لكل شهوة ، متمكنة للاستحالة والتغير ، فيبطل عنها جميع أوصاف الغنى والقوة ، وصارت أصل الحاجات وأمّ الشهوات ، فلزم انصراف تدبيرها إلى حكيم عليم ، على ما لزم ذلك في جميع العالم ، أو كانت هي بحالها ، لكن العالم كان فيها بقوّة ، ظهر بالفعل ، وذلك هو قول أصحاب الهيولى ، ثم دلّ تلف جميع ما في العالم من كون شيء في شيء بالقوة إذا خرج منه بالفعل نحو ما يقولون من كون النّسمة في النطفة ، وكل حيوان في النطف أو البيض ، والعصف في الحبّ ، والشجر في النواة ، وكذلك كل الجواهر ، ومثله عندهم البقاء في الأغذية والنّماء ونحو ذلك ، فيجب أن يكون أمر الطينة التي قالوا بها وأمر الهيولى كذلك ؛ إذ هما الأصل لجميع العالم . وكذلك يلزم القرامطة « 1 » - في قولهم إن المبدع الأول فيه جميع العالم مبروزا تستمد منه النّفس الكل فيمد الهيولى ومنه تركيب العالم - أن يتلف الأول ؛ إذ هذا حق كل شيء في شيء بالقوة يظهر بالفعل . وقد صيّروا جميعا الوجود للحال دليل الأوليّة ، لكن الأول جوهر الكل ، والثاني

--> ( 1 ) القرامطة : فرقة من الباطنية تنسب إلى حمدان قرمط الكوفي وتسمى هذه الفرقة أيضا بالسبعية لأنهم زعموا أن النطقاء بالشريعة سبعة من الرسل وبين كل اثنين من النطقاء سبعة أئمة يتممون الشريعة والنطقاء هم : آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد والمهدي . وظهر بعد حمدان قرمط في الدعوة إلى البدعة أبو سعيد الجنابي وتغلّب على ناحية البحرين ، ورأس القرامطة هو حسين بن زكرويه وفي أيام المهدي عاثت القرامطة بالبحرين وأخذوا الحجيج وقتلوا وسبوا واستباحوا حرم اللّه وقلعوا الحجر الأسود . والقرامطة يسمون أيضا بالخرمية لإباحتهم المحرمات والمحارم ، وتسمى أيضا بالبابكية نسبة إلى بابك الخرمي ، وتسمى أيضا بالإسماعيلية لانتسابهم إلى محمد بن إسماعيل وقيل لإثباتهم الإمامة لإسماعيل بن جعفر الصادق .