أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

51

التوحيد

جوهر الجزء ، وقد صار جوهر الكل معروفا بجوهر الجزء ؛ إذ ليس مما يبلغه أحد بالحس ، وباللّه التوفيق . وإذا ثبت هذا ثبت جميع ما بيّنا من الحوادث والحاجات التي هي الأدلة للحدث لذلك الأصل ؛ إذ صار محتملا للتلف والفناء ، وذلك أيضا يلزم القرامطة يجعلونه أبديا ، وإن كانوا يقولون : كان بعد أن لم يكن بالإبداع ، ولا قوة إلّا باللّه . ودليل الجهل ممّن فيه ما فيه بالقوة بأحوال ما فيه ومن فيه وما يكون منه كما ذكرت من جهل النطف والحبوب وغيرها ، فيلزم كذلك في الهيولى والطينة وما قالوا ، ولزم أن ليس لما قالوا تدبير ، ولا كان شيء من ذلك به ، ولكن إن كان فهو بمن علم ما يكون فيجعل أصله مبروزا فيه بالقوة ، يظهر بالفعل بما جعل له من المواد والأمكنة التي بها تنمو . في ذلك القول بالتوحيد ، وأنه منشئ ذلك كله ليكون به كل شيء يكون على ما قالوا ، أو أن يكون محدثا لكل شيء يكون أبدا على ما يشاء أن يكون من أصول وابتداء ، أو كيف شاء على ما يقوله أهل التوحيد . وإذ اللّه سبحانه قادر على إنشاء أصل فيه كل شيء مبروزا ، هو قادر على ابتداء كل شيء كما شاء من غير بروز بالقوة ولا خروج بالفعل ، ولكن بالتقدير والتكوين . وإن زعموا أن الأشياء كانت في الأصل مستجنّة بجوهرها فيظهر بالفعل فهي أيضا ترجع إلى ما قلنا ؛ لأن ذلك قولهم في النطف والحبوب ، مع ما في هذا مما في العقل دفعه بما لا يحتمل تمكّن أضعاف الشيء بجوهره فيه ؛ للتناقض والفساد وتكذيب العيان . أو أن يكون ذلك الأصل الذي سموه طينة أو هيولى أو مبدعا أو نفس الكل يملك إنشاء العالم لا بأن كان فيه ولكن بالفعل والتكوين على ما شاء ، كيف شاء ، لا مردّ لحكمه ولا نقيض على تدبيره ، فهو قول أهل التوحيد ، لكنهم سمّوا بأسماء غير الأسماء التي هي أسماء منشئ العالم عند أهل التوحيد ومبدعة ، ولا قوة إلّا باللّه . مسألة [ في أسماء اللّه عز وجل ] قال أبو منصور رحمه اللّه : القول في أسماء اللّه عز وجل عندنا على أقسام في مفهوم اللغة : منها يرجع إلى تسميتنا له بها ، وهن أغيار ؛ لأن قولنا عليم غير قولنا قدير ، وعلى هذا المروي إن للّه تعالى كذا وكذا اسما ، وذلك نحو ما ذكر من خلق كذا وكذا رحمة ، لا أنه كان رحيما بتلك الرحمة المخلوقة ؛ إذ لا يحتمل أن يكون في أول خلقه غير رحيم ، أو كان كذلك غير رحيم حتى خلق تلك الرحمة وجعل واحدة بين خلقه ، ولكن بما كانت برحمته سمّيت به ، وكذلك اسم الجنة والمطر ونحوه ،