أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

49

التوحيد

بالاغتذاء وبالطبائع إنما كان ذلك فيهم بجعل حكيم عليم ، جعل كل شيء على ما عليه من النفع والضرر . على أنه في الحيوان معان ليس في شيء مما وصف آثار ذلك من نحو السمع والبصر وبخاصة في البشر من نحو النطق والميز والوقوف على أشياء ، مع ما كان ذلك في أول الأحوال غير كائن ، ولا يربى إلا بأغذية الآباء والأمهات ، ثم لم يؤثر ذلك فيهم ، فكيف في الأولاد . وبعد ، فإن كل شيء له حدّ ، إذا بلغ ذلك الحد لا يزداد له طول ولا عرض ولا سمع ولا بصر ولا عقل بل يأخذ كل شيء من ذلك بالانتقاص على قيام الأغذية ودوام التربية ، عقل أن ذلك كذلك لا بما ذكر ، ولكن بمن هو عالم بذاته حتى لا يعزب عنه شيء ، قادر بنفسه فلا يعجزه شيء جل ثناؤه . وأيضا أنه ما من شيء مما ذكر من أنواع الجواهر إلا وقد يحتمل الإفساد والإصلاح جميعا ، وذلك أيضا كله متضاد متدافع لا يحتمل الاجتماع للتعاون ، ثبت أنها كانت على ما عليه بغيرها ؛ إذ كل شيء على جهة بنفسه لا يحتمل التغيّر ما دامت نفسه ، وباللّه العصمة . وأيضا أن كل حيّ فيما يعاين مبنيّ على الحاجات والشهوات التي تغلبهم وتقهرهم ، ولولا ذلك ما احتاجوا إلى الأغذية ، ثم كانت هي أسبابا - عند وجودها - للغناء ، لم يحتمل أن يكون منها تهيج الشهوات وحدوث الحاجات ، ولا يجوز أن تكون لأنفسها شهوات وحاجات ؛ لأوجه : أحدها أن القيام بالذات دون الغير دليل الغنى ، لا يجوز أن يصير حاجة ، ولأن ما كان لذاته على جهة لا يحتمل زواله ، وقد يقع لها الغنى بالغير ، أو للإحالة أن يكون الشيء من حيث نفسه محوجا إلى غير ، بل إذا أحوج إلى غير من حيث نفسه يدوم الحاجة ما بقيت نفسه ، فثبت أن هنالك غير أنشأهم على الحاجات وركّب فيهم الشهوات ، ثم أنشأ لهم ما به الغنى وقضاء الشهوات ، فيكون بما أريد به نفي المدبّر العالم تثبيته ، ولا قوة إلّا باللّه . مع ما لا يوجد شيء من أعيان العالم وصفاتها إلا مسخّرا مذلّلا بما لولا ذلك كان أهون عليه وألذّ ، نحو القرار الدائم والسير المتتابع مما كان به معاش أحد وما له المعاش ، فصار العالم بكليته بالمعنى الذي ذكرت . ولا يجوز أن يكون المسخّر المذلل بملك التدبير حتى يكون به غنى الغير وقيامه ، ولا يملك إزالة الذّلّة عن نفسه والسّخرة ، ثبت أن لكل ذلك مدبرا عليما علم وجوه حاجاتهم وغناهم ، فخلقهم على ذلك . مع ما أحوج بعضنا إلى بعض في القيام والبقاء على جهل كل منهم بالوجه الذي أحوج إلى غيره ، وعجزه عن صرف وجه الحاجة عن نفسه ، ثبت أن لذلك كله مدبرا عليما ، على تدبيره جرى أمرهم .